لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، التي حملت عنوان «وطن الأبطال»، مجرد استعادة لذكريات انتصارات أكتوبر المجيدة، بل جاءت محملة برسائل سياسية ووطنية تتجاوز حدود المناسبة، لتطرح أسئلة جوهرية حول كيفية حماية الدولة، وصيانة وعي المجتمع، ومواجهة التحديات الاقتصادية والإقليمية، وبناء مستقبل يليق بتضحيات المصريين.
وفي تقديري، فإن أبرز ما حملته الكلمة هو التأكيد على أن معارك الأوطان لا تنتهي بانتهاء الحروب، وأن الحفاظ على الدولة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل يحتاج إلى مجتمع يمتلك الوعي، ومؤسسات تؤدي مسؤولياتها بكفاءة، واقتصاد قادر على الإنتاج، وإرادة وطنية تحوّل التحديات إلى فرص.
ومن هنا، تكتسب استعادة تجربة أكتوبر أهمية تتجاوز الاحتفاء بذكرى الانتصار؛ فهذه التجربة تقدم نموذجًا لكيفية اجتماع التخطيط والإرادة والاستعداد ووحدة الهدف من أجل تحقيق إنجاز تاريخي. كما تؤكد أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد سجل للأحداث الماضية، وإنما مصدر للدروس التي تحتاج إليها الأجيال الجديدة في التعامل مع تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
وتزداد أهمية هذه الرسالة في عصر أصبحت فيه المعلومات سلاحًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام، وأصبحت الشائعات قادرة على الانتشار في دقائق، بما قد يثير القلق ويضعف الثقة ويشوّه الحقائق. ولذلك، لم يعد الوعي الوطني ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحماية المجتمع من التضليل، وهو ما يستلزم التحقق من المعلومات، والتمييز بين النقد المسؤول ومحاولات نشر الفوضى، وتعزيز دور الإعلام المهني والمؤسسات التعليمية والثقافية في بناء عقل قادر على الفهم والتحليل.
غير أن المسؤولية عن حماية الوعي لا تقع على المواطن وحده؛ فالمواجهة الفعالة للشائعات تتطلب أيضًا سرعة إتاحة المعلومات، والشفافية في التعامل مع القضايا العامة، وتقديم إجابات واضحة عن تساؤلات المجتمع. فكلما توافرت المعلومات الموثوقة، تقلصت المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الأخبار الكاذبة والتفسيرات المضللة.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة الرئيس إلى حماية الدولة تحمل معنى أوسع من مجرد الالتفاف حول الشعارات الوطنية؛ إذ تضع المسؤولية المشتركة في صدارة المشهد، وتؤكد أن قوة مصر تتعزز حين يدرك كل فرد دوره، سواء من خلال العمل والإنتاج، أو احترام القانون، أو المشاركة الإيجابية، أو الحفاظ على المصلحة العامة.
وقد استحضر الرئيس محطات مهمة من تاريخ مصر، رابطًا بين حرب أكتوبر عام 1973 والتحديات التي واجهت الدولة عام 2013، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وهويتها الوطنية. وتؤكد هذه المقارنة أن استقرار الدول ليس أمرًا مضمونًا بصورة دائمة، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي وقدرة مؤسسية على مواجهة الأزمات، مع الاستفادة من دروس التاريخ لتجنب تكرار الأخطاء.
لكن حماية الدولة لا تنفصل عن تحسين حياة المواطنين؛ فالأمن والاستقرار يكتسبان قيمتهما الكاملة عندما ينعكسان على فرص العمل ومستوى الخدمات وآفاق المستقبل. ولهذا، فإن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يرتبط بهدف واضح يتمثل في تعزيز الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتطوير التعليم، ورفع كفاءة سوق العمل، وتوفير فرص حقيقية للشباب.
والحقيقة أن بناء الاقتصاد لا يتحقق بالقرارات وحدها، بل يحتاج إلى وقت وتخطيط واستمرارية، وإلى بيئة تشجع الابتكار وتحترم قيمة العمل والإتقان. وكما تطلب انتصار أكتوبر استعدادًا وتضحية ووحدة في الهدف، فإن معركة التنمية تحتاج إلى الجدية والانضباط، وتعاون مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، حتى تتحول الإمكانات المتاحة إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا تبرز أهمية ألا تظل التنمية مجرد أرقام ومؤشرات، بل أن تكون لها انعكاسات ملموسة على حياة الناس، وأن تتواكب جهود الإصلاح مع الاهتمام بالفئات الأكثر احتياجًا وتحسين جودة الخدمات الأساسية. فالثقة في مسار التنمية تتعزز كلما لمس المواطن أثره، ورأى أن التضحيات تقود إلى فرص أفضل وحياة أكثر استقرارًا.
وفي المقابل، يظل الأمن أحد الشروط الأساسية لاستمرار البناء. وقد أعاد حديث الرئيس عن مواجهة الإرهاب والتضحيات التي قدمها أبناء مصر التذكير بحجم الجهود التي بُذلت للحفاظ على أمن البلاد. غير أن الحفاظ على ما تحقق يتطلب مواصلة تطوير أدوات المواجهة، وعدم الاقتصار على الجانب الأمني، بل الاهتمام بالتعليم والثقافة وتمكين الشباب ومواجهة الأفكار المتطرفة، إلى جانب التصدي لمحاولات التأثير السلبي في الوعي عبر الفضاء الرقمي.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، حملت الكلمة تأكيدًا على ثوابت مصر في حماية سيادتها وصون أمنها القومي، خصوصًا في ضوء التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بسيناء. فسيناء أرض مصرية استعادت الدولة سيادتها الكاملة عليها، وأي حديث يمس هذه الحقيقة يصطدم بثابت وطني لا يقبل المساومة. وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالحقوق والالتزام بمعاهدة السلام ليسا مسارين متعارضين؛ فالدبلوماسية المسؤولة تقوم على حماية المصالح الوطنية، والوفاء بالالتزامات، ومنع التصعيد، والحفاظ على الاستقرار.
ويمتد هذا الموقف إلى رؤية مصر تجاه القضية الفلسطينية، حيث يمثل حل الدولتين المسار الضروري لتحقيق سلام عادل ودائم، يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويتيح لشعوب المنطقة فرصة العيش في أمن واستقرار. كما أن تأكيد الرئيس أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري يعكس طبيعة الروابط العربية، ويبرز أهمية التنسيق والعمل المشترك لخفض التصعيد وحماية الملاحة ومنع اتساع دائرة الصراعات.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة عن حقيقة أساسية، وهي أن قوة السياسة الخارجية تنطلق من وضوح الثوابت الوطنية، والقدرة على التحرك المتوازن، والتمسك بالحقوق دون الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. فمصر تحتاج إلى حماية أمنها ومصالحها، كما تحتاج المنطقة إلى حلول سياسية تعالج جذور الأزمات، لا إلى مسارات تزيد التوتر وتضاعف كلفة الصراع على الشعوب.
وبين رسائل الداخل وتحديات الإقليم، جاءت دعوة الرئيس للمصريين واضحة: «حصنوا بلدكم ضد هذه المؤامرة.. ولا أقول حصنوا الرئيس»، ثم تأكيده: «خلوا بالكم من مصر.. خلوا بالكم من بلدكم». وفي تقديري، فإن هاتين العبارتين تختصران جوهر المسؤولية الوطنية؛ فالدولة أكبر من الأشخاص والمناصب، واستمرارها وقوتها يرتبطان بقدرة مؤسساتها ومجتمعها على حماية المصالح العامة ومواجهة التحديات.
لكن هذه المسؤولية لا تكتمل بالخطاب وحده، بل تحتاج إلى عمل متبادل؛ فالمؤسسات مطالبة بالكفاءة والشفافية، والإعلام بالدقة والمصداقية، والمؤسسات التعليمية والثقافية ببناء الوعي، والمواطن بالمشاركة الإيجابية والتحقق من المعلومات، فيما تظل التنمية وتحسين مستوى المعيشة معيارين أساسيين لقياس أثر السياسات في حياة الناس.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن الإرادة الوطنية حين تقترن بالتخطيط والاستعداد ووحدة الهدف قادرة على تغيير مسار التاريخ. واليوم، تحتاج مصر إلى استثمار الروح ذاتها في ميادين الإنتاج والمعرفة والتنمية، حتى تتحول التضحيات إلى فرص، والإمكانات إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع يفتح أمام الأجيال الجديدة أبواب المستقبل.
إن الوطن لا تحميه الذاكرة وحدها، ولا القوة وحدها، ولا الشعارات وحدها؛ بل يحميه وعي أبنائه، وقوة مؤسساته، وعدالة الفرص، وقدرة اقتصاده على النمو، وثقة المواطنين في أن العمل الجاد والمشاركة المسؤولة يصنعان فارقًا حقيقيًا.
وهكذا، فإن «خلوا بالكم من مصر» ليست مجرد عبارة ختامية، بل دعوة إلى مسؤولية وطنية تبدأ من وعي الفرد، وتظهر في أداء المؤسسة، وتتجسد في العمل والإنتاج واحترام القانون، وصولًا إلى دولة قوية وآمنة وقادرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




