شكراً كندا … فعالية Merci Borsch تجمع الأوكرانيين والكنديين في خمس مدن وتعزز ثقافة التضامن والاندماج

Merci Borsch .. الأوكرانيون يشكرون سكان كيبيك عبر الثقافة والتراث

في مبادرة إنسانية تجمع بين الامتنان والتنوع الثقافي والتضامن المجتمعي احتفت الجالية الأوكرانية يوم الأحد 4 أكتوبر 2026 بفعالية «Merci Borsch» في خمس مدن بمقاطعة كيبيك هي مونتريال ومدينة كيبيك وشيربروك وغرانبي وساغينيه وذلك للعام الرابع على التوالي تعبيراً عن تقديرها لكندا وسكانها على استقبال الأوكرانيين ومساندتهم في ظل الحرب التي تشهدها بلادهم

وتحمل المبادرة رسالة تتجاوز حدود الاحتفال بالطعام التقليدي إذ تسعى إلى تحويل الامتنان إلى لقاء إنساني يجمع أفراد الجالية الأوكرانية بالسكان المحليين ويمنحهم فرصة للتعرف على ثقافة بعضهم بعضاً من خلال المطبخ والموسيقى والفنون والحرف اليدوية

فحين يضطر الإنسان إلى مغادرة وطنه بسبب الحرب لا تكون خسارته مقتصرة على المنزل أو مكان العمل بل تمتد إلى تفاصيل حياته اليومية وذكرياته وعلاقاته الاجتماعية والشعور بالألفة والانتماء ولذلك يصبح الحفاظ على الثقافة الأصلية والتواصل مع المجتمع الجديد جزءاً مهماً من رحلة الاستقرار وبناء حياة جديدة

ومن هذا المنطلق تقدم فعالية «Merci Borsch» نموذجاً للتواصل الثقافي الذي يسمح للأوكرانيين بالتعبير عن هويتهم وامتنانهم في الوقت نفسه الذي يتيح فيه لسكان كيبيك التعرف على تراث الجالية التي أصبحت جزءاً من نسيج المجتمع المحلي

شيربروك تستضيف الفعالية للمرة الأولى

شهدت مدينة شيربروك محطة مميزة ضمن فعاليات هذا العام إذ استضافت المبادرة للمرة الأولى في منتزه أندريه فيجيه (Parc André-Viger) يوم الأحد 4 أكتوبر من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الرابعة مساءً بتنظيم من منظمة Sherbrooke UA

وتضمنت المناسبة تقديم حساء البورش الأوكراني مجاناً إلى جانب أنشطة ثقافية وفنية وحرف يدوية أتاحت للزوار التعرف على جوانب من التراث الأوكراني في أجواء مجتمعية مفتوحة

وتكتسب إقامة الفعالية في شيربروك أهمية خاصة لأنها تتيح لأفراد الجالية الأوكرانية فرصة التعبير عن تقديرهم لسكان المدينة ومشاركة ثقافتهم مع المجتمع الذي يعيشون فيه كما تمنح السكان المحليين فرصة للتعرف على عادات وتقاليد جيرانهم من خلال تجربة مباشرة تتجاوز المعلومات النظرية عن الثقافات المختلفة

وتؤدي مثل هذه اللقاءات دوراً مهماً في بناء العلاقات الاجتماعية خصوصاً لدى الوافدين الجدد الذين قد يواجهون تحديات في التواصل والتكيف مع بيئة جديدة تختلف في اللغة والعادات وأساليب الحياة

فالتعارف الذي يبدأ حول مائدة طعام أو خلال عرض فني قد يتحول إلى علاقة اجتماعية مستمرة تسهم في تقليل العزلة وتعزيز الثقة المتبادلة وتمنح الأفراد شعوراً أكبر بأنهم جزء من المجتمع

كما تعكس المبادرة أهمية دور المنظمات المجتمعية في تنظيم أنشطة تتيح للجاليات المشاركة في الحياة العامة وتقديم ثقافاتها باعتبارها جزءاً من التنوع الذي يميز المجتمع الكيبيكي

مونتريال ومدينة كيبيك.. تنوع ثقافي يجمع الناس

وفي مونتريال أقيمت الفعالية في ساحة فيجيه (Square Viger) حيث قُدمت أنواع مختلفة من حساء البورش إلى جانب أنشطة ثقافية وفنية أتاحت للزوار التعرف على تنوع المطبخ الأوكراني وارتباطه بالتقاليد الشعبية

أما في مدينة كيبيك فقد شاركت رابطة الأوكرانيين في كيبيك (Alliance des Ukrainiens de Québec) في تنظيم أنشطة تضمنت تقديم البورش الأخضر والأغاني التقليدية والحرف اليدوية والتطريز بمشاركة فنانات من مجموعة «تسفيت» (Tsvit)

وتكشف هذه الأنشطة عن اتساع مفهوم التراث الثقافي فهو لا يقتصر على الأزياء أو الأطعمة المعروفة بل يشمل الأغاني التي تتناقلها الأجيال والحرف التي تعكس مهارات المجتمع والتقاليد التي تحافظ على الروابط بين أفراد الأسرة والجالية

وتمنح الفعاليات المفتوحة للجمهور فرصة للتواصل المباشر بين الثقافات المختلفة بعيداً عن الحواجز التي قد تفرضها اللغة أو قلة المعرفة المتبادلة كما تساعد على بناء صورة أكثر واقعية عن المجتمعات من خلال التعرف على تجارب أفرادها وقصصهم الإنسانية

وامتدت المبادرة كذلك إلى مدينتي غرانبي وساغينيه لتشمل خمس مدن في مقاطعة كيبيك وتجمع المشاركين حول رسالة مشتركة تقوم على الامتنان والتواصل والتقدير المتبادل

البورش الأوكراني.. أكثر من طبق تقليدي

يحتل البورش مكانة بارزة في المطبخ الأوكراني ويُحضّر عادة باستخدام الشمندر ومجموعة متنوعة من الخضروات مع اختلاف الوصفات والمكونات بحسب المناطق والعائلات والتقاليد المحلية

ولا تكمن أهميته في مذاقه أو طريقة إعداده فحسب بل في ارتباطه بالحياة الأسرية والاجتماعية حيث يمثل جزءاً من الذاكرة الشعبية والتقاليد التي تنتقل من جيل إلى آخر

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ثقافة إعداد البورش الأوكراني عام 2022 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل في ظل المخاطر التي تهدد استمرار هذه الممارسة الثقافية

ويبرز هذا الاعتراف أن التراث الحي لا يتكون من المباني والقطع التاريخية وحدها بل يشمل أيضاً المعارف والمهارات والممارسات اليومية التي تمنح المجتمعات إحساساً بالاستمرارية والهوية

ومن خلال تقديم البورش لسكان كيبيك يشارك الأوكرانيون جزءاً من ثقافتهم الوطنية ويحولون الطعام إلى وسيلة للتعارف والتقارب الإنساني

فالمائدة المشتركة تتيح للناس اكتشاف أوجه التشابه بينهم كما تمنحهم فرصة للاحتفاء بالاختلافات الثقافية باعتبارها مصدر ثراء وتنوع وليس سبباً للانفصال أو التباعد

التضامن والاندماج.. مسؤولية مشتركة

تعكس فعالية «Merci Borsch» جانباً مهماً من العلاقة بين الجاليات الوافدة والمجتمعات المضيفة وهي العلاقة التي لا تقوم على المساعدة في أوقات الحاجة فقط بل تتطور من خلال المشاركة الاجتماعية والثقافية والتفاعل اليومي

فاستقبال الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة أوطانهم بسبب الحرب يمثل خطوة أساسية في رحلة الاستقرار لكن بناء حياة جديدة يحتاج أيضاً إلى فرص للتواصل والتعلم والعمل وتكوين الصداقات والشعور بالأمان والانتماء

وفي المقابل يستطيع الوافدون الجدد الإسهام في المجتمعات التي يعيشون فيها من خلال خبراتهم ومهاراتهم وثقافاتهم ومشاركتهم في الأنشطة العامة والمبادرات المحلية

ولا يعني الاندماج التخلي عن الهوية الأصلية أو نسيان الوطن بل يعني القدرة على الحفاظ على اللغة والتراث والعادات مع احترام المجتمع المضيف والمشاركة في حياته اليومية

ومن هنا تبرز قيمة المبادرات الثقافية التي تتيح للوافدين التعريف بتراثهم وتمنح السكان فرصة للتعرف عليهم خارج الصور النمطية أو المعلومات المحدودة

ومع أن هذه الفعاليات لا تعالج بمفردها التحديات المرتبطة بالسكن والعمل وتعلم اللغة والخدمات الأساسية فإنها تمثل جانباً مكملاً من جوانب الاستقرار الاجتماعي لأنها تساعد على بناء الثقة وتوسيع العلاقات الإنسانية وتعزيز التفاهم المتبادل

رسالة امتنان تتجاوز حدود الطعام

إن تنظيم «Merci Borsch» للعام الرابع على التوالي في خمس مدن بمقاطعة كيبيك يعكس رغبة الجالية الأوكرانية في جعل الامتنان تقليداً مجتمعياً متجدداً يجمع بين الحفاظ على الهوية الثقافية والتواصل مع السكان المحليين

ومن شيربروك التي استضافت الفعالية للمرة الأولى إلى مونتريال ومدينة كيبيك وغرانبي وساغينيه تتجسد رسالة تؤكد أن المجتمعات تصبح أكثر ترابطاً عندما تتاح لأفرادها فرص حقيقية للتعارف والتعاون وتبادل الخبرات

وتقدم المبادرة صورة عن قدرة الأنشطة الثقافية البسيطة على حمل معانٍ إنسانية عميقة فطبق تقليدي أو أغنية شعبية أو حرفة يدوية يمكن أن يفتح باباً للحوار ويمنح الإنسان فرصة للتعريف بنفسه وبثقافته والتعبير عن تقديره للآخرين

إن «Merci Borsch» ليست مجرد مناسبة لتقديم حساء أوكراني تقليدي بل رسالة امتنان من الجالية الأوكرانية إلى كندا وسكان كيبيك وتأكيد على أن التضامن الإنساني يزداد قوة عندما يتحول إلى تواصل حقيقي واحترام متبادل ومشاركة ثقافية تسهم في بناء مجتمع يحتضن التنوع ويمنح الجميع فرصة للعيش بكرامة وأمان وأمل


اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

HANY KHATER

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة وبكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس المنتدى الدولي للصحافة والإعلام كما سبق أن تولى رئاسة مكتب الاتحاد الدولي للصحافة العربية في كندا ورئاسة تحرير موقع الاتحاد إلى جانب عدد من المنصات الإعلامية. يمتلك الدكتور هاني خاطر خبرة واسعة في الصحافة والإعلام ويعمل صحفياً ومؤلفاً مهتماً بقضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. وتركز أعماله على القضايا التي تمس المجتمعات العربية وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وخلال مسيرته المهنية نشر العديد من المقالات والتحقيقات التي تناولت قضايا حقوق الإنسان والانتهاكات التي تطال الحريات العامة إضافة إلى قضايا الفساد. ويتميز أسلوبه بالجرأة والوضوح والحرص على طرح القضايا بمهنية وشفافية بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي. ويؤمن الدكتور هاني خاطر بأن الصحافة تمثل قوة مؤثرة في صناعة الوعي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات كما يرى أن الإعلام المسؤول يسهم في تعزيز التفكير النقدي ودعم قيم العدالة والحرية وبناء مجتمعات أكثر إنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!