قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«سافر تجد عوضًا عمن تفارقه، وانصب فإن لذيذ العيش في النصب».
وما بين السفر والسعي، وبين مشقة الطريق وحلاوة الوصول، تتجلى حقيقة مهمة، وهي أن النجاح لا يأتي مصادفة، وأن الرؤية الثاقبة تحتاج إلى جهد وصبر وقدرة على تحمل المسؤولية.
تابعنا الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، وقد لفت انتباهي ما عكسته كلمات رئيس الوزراء الماليزي من تقدير لمصر وحضارتها العريقة، وما أبداه من اعتزاز بما تمثله مصر وشعبها من مكانة تاريخية وحضارية. كما حظي الرئيس بحفاوة كبيرة خلال زيارته لهذه الدول.
وهنا يبرز تساؤل مهم: ما سر هذا الاحتفاء بالرئيس، وكأنه أحد أبناء تلك الدول؟
إن العلاقات الدولية لا تُبنى على المصالح وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى الثقة المتبادلة، والاحترام، والحوار، والالتزام بالعهود والمواثيق، واحترام قواعد القانون الدولي. ولعل ما تحظى به مصر من تقدير في محيطها الدولي يعكس أهمية السياسة الخارجية التي تسعى إلى تحقيق التوازن، وتعزيز التعاون، وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وقد لفتني كذلك حديث الرئيس السيسي عقب عودته إلى أرض الوطن، وما عبّر عنه من امتنان لحفاوة الاستقبال التي لقيها في الدول الثلاث. والأكثر دلالة كان حرصه على أن ينسب هذا التقدير إلى شعب مصر ومكانته، لا إلى شخصه وحده، في مشهد يعكس التواضع والمسؤولية، ويذكرنا بقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه».
ونقول للرئيس: إنك تمثل وطنًا عريقًا وشعبًا صاحب حضارة ممتدة عبر آلاف السنين، وإن قيمة القائد تزداد حين يدرك أن مكانته مستمدة من مكانة وطنه، وأن نجاحه الحقيقي يرتبط بما يحققه لشعبه.
حقًا، إن القيادة حكمة قبل أن تكون سلطة.
وأعتقد أن الظروف الصعبة التي مرت بها مصر خلال السنوات الماضية لم تكن كافية وحدها لتكوين صورة متكاملة عن شخصية القائد، بقدر ما كشفت عن طبيعة التحديات التي واجهتها الدولة، وحجم المسؤوليات التي تحملتها القيادة في مرحلة شديدة التعقيد.
فقد تولى الرئيس المسؤولية في ظروف عصيبة، وسط تحديات داخلية وإقليمية، ومخاطر أحاطت بالمنطقة، وأزمات فرضت على الدولة اتخاذ قرارات صعبة. وهنا تتجلى إحدى أهم صفات القيادة؛ فالرجال تُعرف مواقفهم عند الشدائد، والقائد يجد نفسه أحيانًا أمام اختيارات لا تخلو من الكلفة، لكنه مطالب بأن يوازن بين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
وفي السياسة الداخلية، واجهت بعض القرارات الاقتصادية والتنموية انتقادات وتساؤلات من قطاعات مختلفة من المجتمع. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات التي تسعى إلى التغيير، فالأفكار الجديدة قد تواجه صعوبة في البداية، خاصة عندما تتطلب تغيير أنماط مألوفة أو تحمل أعباء قبل ظهور نتائجها.
لكن القائد صاحب الرؤية لا يكتفي بما هو قائم، بل يحاول استشراف ما يمكن أن يكون عليه المستقبل. ومع ذلك، فإن نجاح أي رؤية لا يُقاس بمجرد إعلانها، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين، وتوازن بين متطلبات التنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتوفر فرص العمل والخدمات، وتحمي الفئات الأكثر احتياجًا.
وكان من الممكن أن تتجه الأولوية إلى الاكتفاء بإدارة الموارد المتاحة وتوجيه الجزء الأكبر منها إلى تلبية الاحتياجات الآنية، وهو مطلب مشروع لا يمكن تجاهله، لكن الدولة اختارت أيضًا التوسع في مشروعات البنية الأساسية والتنمية والاستثمار. وبين ضرورات الحاضر وطموحات المستقبل، تبقى المعادلة الأصعب هي تحقيق التنمية مع مراعاة الأعباء التي يتحملها المواطن، وضمان أن يشعر بثمار ما يُبذل من جهود.
ولعل التاريخ يقدم لنا نماذج لقادة اتخذوا قرارات أثارت جدلًا واسعًا في وقتها، ثم أصبحت محل دراسة عند تقييم نتائجها.
فعندما قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات زيارة إسرائيل عام 1977، واجه معارضة شديدة في الداخل والخارج، وأعقب اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، كما ترتبت على تلك المرحلة تداعيات عربية وإقليمية كبيرة. وقد رأى السادات أن طريق التفاوض يمكن أن يحقق لمصر استعادة أرضها ويضع حدًا للحرب، بينما ظلت قراراته موضع نقاش سياسي وتاريخي. ويؤكد هذا المثال أن القرارات الكبرى لا تُفهم دائمًا بصورة كاملة في لحظتها، وأن تقييمها يحتاج إلى دراسة دوافعها ونتائجها وتداعياتها.
ومن النماذج الدولية أيضًا لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة وأول رئيس وزراء لها، الذي قاد بلاده خلال مرحلة من التحولات الاقتصادية والإدارية الكبرى. وقد ارتبطت تجربته بسياسات صارمة في الإدارة ومكافحة الفساد وجذب الاستثمارات وتطوير التعليم والبنية الأساسية، وأسهمت هذه السياسات في تحويل سنغافورة إلى مركز اقتصادي عالمي متقدم، رغم استمرار الجدل حول بعض جوانب تجربته السياسية.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن بناء الدول يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، وإدارة قادرة على اتخاذ القرار، ومؤسسات فعالة، ومجتمع يشارك في عملية التنمية. كما أن الرؤية الناجحة لا تنفصل عن مراجعة السياسات والاستماع إلى النقد البناء وتصحيح المسار عند الحاجة.
وهنا يأتي دور وسائل الإعلام، التي لا يقتصر واجبها على نقل الأخبار، بل يمتد إلى توضيح الحقائق، وشرح السياسات، وتوعية المواطنين بأهداف المشروعات ونتائجها، وفتح المجال أمام الحوار المسؤول. فالإعلام الواعي لا يكتفي بتجميل الصورة، كما لا يسعى إلى التشويه، وإنما يضع الحقائق أمام الرأي العام، ويمنح المواطن القدرة على الفهم والتقييم والمشاركة.
إن الرؤية الحقيقية هي القدرة على استشراف ما قد لا يراه الآخرون في اللحظة الراهنة، لكن قيمتها تظل مرهونة بمدى اقترابها من الواقع، وقدرتها على تحقيق التنمية والعدالة وتحسين حياة الناس.
وأؤمن بأن مصر، بتاريخها وإمكاناتها وطاقات أبنائها، تستحق مستقبلًا أكثر ازدهارًا واستقرارًا، وأن بناء هذا المستقبل مسؤولية مشتركة بين القيادة ومؤسسات الدولة والمواطنين. وسيظل التاريخ شاهدًا على التجارب والقرارات، بما لها وما عليها، وسيكون الحكم الأصدق هو ما تتركه من آثار ملموسة في حياة الأجيال القادمة.
حفظ الله مصر، ورفع شأنها، وأعلى قدرها، ووفق أبناءها لما فيه الخير والتقدم والازدهار.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




