السيسي واللعبة التي لم يرها الجميع .. ستيفن كوك يكشف كيف أمسكت مصر بخيوط غزة وإسرائيل وأمريكا والسعودية والإمارات وخرجت من قلب الحرب دون أن تدخلها

كتب: دكتور هاني خاطر

تشهد منطقة القرن الأفريقي تطورات خطيرة ومتسارعة بدأت تتجاوز حدود الصراع الداخلي في إثيوبيا لتأخذ أبعادًا إقليمية واسعة في ظل التصعيد بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي والتحالفات المرتبطة بها ، وجاء ذلك بعد أن وصلت الضربات إلى أديس أبابا مع استهداف مواقع عسكرية وهو ما يكشف عن امتلاك القوات الموجودة في مواجهة الحكومة الإثيوبية أسلحة وقدرات عسكرية حديثة وخطيرة قادرة على الوصول إلى العاصمة واستهداف مواقع حساسة فيها

وفي الوقت نفسه شهدت العلاقات المصرية الإثيوبية تصعيدًا دبلوماسيًا بعدما قامت إثيوبيا بطرد دبلوماسي مصري وجاء الرد المصري بالمثل في خطوة تعكس حجم التوتر المتزايد بين البلدين ، ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد إذ وصلت العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا إلى مرحلة خطيرة مع قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الأمر الذي دفع الاتحاد الأفريقي إلى الخروج عن صمته والدعوة إلى الهدوء وضبط النفس وعدم التصعيد أكثر لأن استمرار هذا المسار يمكن أن يشعل منطقة القرن الأفريقي ويفتح الباب أمام أزمة أوسع في أفريقيا وهنا تبرز أيضًا مفارقة تستحق التوقف أمامها وهي أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد هو نفسه الذي حصل على جائزة نوبل للسلام فكيف حصل أبي أحمد على جائزة نوبل للسلام بينما شهدت إثيوبيا في عهده واحدة من أكثر الحروب دموية وهي الحرب بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي

لقد أدت حرب تيغراي إلى سقوط أعداد ضخمة من الضحايا وتختلف التقديرات بشأن العدد الحقيقي للقتلى بسبب صعوبة توثيق الخسائر خلال الحرب لكن المؤكد أن الكارثة الإنسانية كانت هائلة

ومن هنا يطرح هذا الواقع سؤالًا مهمًا حول جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها أبي أحمد وما إذا كان من الضروري إعادة النظر فيها أو المطالبة بسحبها منه خصوصًا في ظل ما شهدته إثيوبيا من حرب وصراع ودمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا ووسط هذه التطورات تأتي قراءة الكاتب والباحث الأمريكي ستيفن أ. كوك للدور المصري في المشهد الإقليمي وهي قراءة تكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعلاقات المصرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا والسعودية والإمارات

ستيفن كوك: السيسي ضحك عليكم وأكل لكم البلوزة

في قراءة لافتة لطبيعة التحولات التي شهدتها السياسة المصرية في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية يطرح الكاتب والباحث الأمريكي ستيفن أ. كوك في مقال له بمجلة Foreign Policy رؤية تتناول طريقة تعامل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا إلى جانب علاقات مصر بكل من السعودية والإمارات وكوك هو زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا كما يكتب في مجلة Foreign Policy

والفكرة الأساسية التي يطرحها كوك وفق ما جاء في مقاله أن مصر خلال السنوات الأخيرة لم تعد تتعامل مع القوى الإقليمية والدولية من موقع الطرف الذي ينتظر ما يُقدم إليه وإنما أصبحت تتحرك وفق حساباتها ومصالحها الخاصة وتحدد بنفسها حدود ما يمكن أن تقبله وما يمكن أن ترفضه وبلغة أكثر وضوحًا فإن الرسالة التي يوجهها كوك إلى أمريكا وإسرائيل وأوروبا هي أن السيسي ضحك عليكم وأكل لكم البلوزة

غزة وإسرائيل

أولاً يرى كوك أن السيسي استطاع أن ينتصر في التعامل مع ملف غزة وإسرائيل وأن مصر تمكنت من إدارة هذا الملف وتحقيق ما أرادته من خلال حجتين أساسيتين الحجة الأولى تتمثل في وجود شعبية غير عادية لدى الشعب المصري فيما يتعلق بحماية غزة والقضية الفلسطينية

أما الحجة الثانية فتتعلق بوجود سلام بين مصر وإسرائيل وهو سلام يفترض أن تحافظ عليه مصر لأنه يمثل بالنسبة إليها جزءًا من الأمن القومي المصري

وبحسب هذه الرؤية فإن الرئيس السيسي كان يسير على فتلة شديدة الدقة بين الحفاظ على اتفاق السلام مع إسرائيل من جهة والتعامل مع قضية غزة والضغط الشعبي المرتبط بها من جهة أخرى ومع ذلك استطاع أن ينجح في إدارة هذه المعادلة

القدرة على التعامل مع حماس وأمريكا

ولا يتوقف الأمر عند ذلك فوفقًا لما يطرحه كوك تمتلك مصر قدرات تمكنها من التأثير في حركة حماس كما تمتلك في الوقت نفسه قدرة على التعامل مع الولايات المتحدة نفسها واسرائيل وهذه النقطة تعكس أهمية الدور المصري في الملف الفلسطيني خصوصًا أن القاهرة تمتلك قنوات اتصال وعلاقات مع أطراف متعددة وهو ما يمنحها قدرة على التحرك في مساحة لا تتوافر بالضرورة أمام أطراف أخرى، وبالتالي فإن مصر وفق القراءة التي يقدمها كوك لم تكن مجرد طرف يتلقى المطالب وإنما كانت طرفًا قادرًا على استخدام أوراقه السياسية والأمنية والدبلوماسية لتحقيق أهدافه

السعودية… عندما تغيرت المعادلة

ومن أكثر النقاط اللافتة في الطرح الذي قدمه كوك ما يتعلق بالعلاقة بين مصر والسعودية فالعلاقات بين البلدين قوية جدًا ولا يمكن فصلها عن المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تربط القاهرة والرياض لكن كوك يشير إلى تحول في طبيعة المعادلة فبعدما كانت مصر في فترة سابقة تحتاج إلى السعودية وإلى مساعداتها في ظل ظروف اقتصادية صعبة كانت الرياض وفق هذا الطرح تتعامل مع الأمر بحسابات دقيقة وكانت الرسالة واضحة لا توجد مساعدات أو أموال تخرج دون حسابات ومصالح

وهنا للتوضيح هذا الكلام الوارد في هذه النقطة هو طرح ستيفن كوك وليس رأيي الشخصي

لكن المعادلة بحسب ما يطرحه كوك تغيرت فعليًا فبدلًا من أن تكون مصر هي الطرف الذي يحتاج إلى السعودية أصبحت السعودية هي التي تحتاج إلى مصر في عدد من الملفات وأصبح الأمير محمد بن سلمان وفق هذا الطرح هو الذي يذهب إلى الرئيس السيسي ويطلب طلبات كبيرة جدًا بينما تتعامل مصر مع هذه الطلبات من موقع مختلف فمصر تستجيب وتقدم للسعودية بعض ما تطلبه ولكن في الحدود التي تريد مصر نفسها أن تقدمها وليس بالضرورة وفق كل ما يُطلب منها وهنا يظهر التحول الكبير في طبيعة العلاقة

والإمارات أيضًا

والأمر نفسه وفق هذه القراءة حدث مع الإمارات فالإمارات كانت تتعرض لضربات قوية جدًا من إيران وهو ما جعل الظروف الإقليمية أكثر تعقيدًا بالنسبة إليها وفي الوقت نفسه لا يخفى على الجميع أن الإمارات تمتلك إمكانيات اقتصادية كبيرة ولها مصالح وطلبات كبيرة فيما يتعلق بالاقتصاد المصري ومع ذلك فإن مصر وفق الطرح الذي يقدمه كوك لبت هذه الطلبات ولكن في الحدود التي أرادتها القاهرة، أي أن مصر لم تتحرك باعتبارها مضطرة إلى تنفيذ كل ما يُطلب منها وإنما باعتبارها دولة تحدد بنفسها حجم مشاركتها وما يمكن أن تقدمه

مصر لم تدخل الحرب

ومن النقاط الأساسية في هذه الرؤية أن مصر لم تدخل الحرب ففي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة تطورات عسكرية وسياسية خطيرة حافظت القاهرة على موقفها ولم تدخل بصورة مباشرة في الحرب وفي الوقت نفسه استمرت مصر في القيام بما تراه مناسبًا لمصالحها وهنا تكمن أهمية الموقف المصري بحسب هذه القراءة فالقاهرة لم تدخل الحرب لكنها في الوقت نفسه لم تخرج من المشهد بل تحركت سياسيًا ودبلوماسيًا وحافظت على علاقاتها واتصالاتها المختلفة واستمرت في التعامل مع جميع الأطراف وفق حساباتها الخاصة

مصر تمسك بالخيوط

إذا أردنا تلخيص ما يطرحه ستيفن كوك فإن الفكرة الأساسية تتمثل في أن مصر أصبحت تفعل ما تريده وفق حساباتها وأنها استطاعت أن تمسك بعدد كبير من خيوط المشهد في الوقت نفسه فهي تحافظ على السلام مع إسرائيل باعتباره جزءًا من أمنها القومي وتتعامل مع ملف غزة ولديها قدرة على التواصل والتأثير في حماس وتحافظ على قنواتها مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تدير علاقاتها مع السعودية والإمارات وفق مصالحها والأهم من ذلك أنها لم تدخل الحرب

وبذلك فإن مصر وفق هذه القراءة لم تسمح بأن تصبح طرفًا مباشرًا في الحرب لكنها في الوقت نفسه لم تتخل عن دورها الريادى الإقليمي ولم تتوقف عن استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية

ما يطرحه ستيفن كوك في مقاله يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للدور المصري في المنطقة فالمعادلة وفق رؤيته لم تعد ببساطة أن مصر تحتاج إلى الآخرين وأن الآخرين هم أصحاب القرار وإنما أصبحت القاهرة تتحرك في مساحة أوسع من الاستقلالية في تحديد ما تريده وما لا تريده وما يمكن أن تقدمه وما ترفض تقديمه

ومن غزة إلى إسرائيل ومن واشنطن إلى الرياض وأبوظبي تبدو الصورة التي يرسمها كوك قائمة على فكرة واحدة مصر لم تدخل الحرب لكنها لم تخرج من المشهد بل تحركت وفق حساباتها وأدارت علاقاتها وحدود تدخلها بالطريقة التي تراها مناسبة وهذه في النهاية هي النقطة الأكثر إثارة في قراءة كوك دولة تقف في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية كبيرة وتحافظ على خطوط اتصالها مع مختلف الأطراف وفي الوقت نفسه تحاول أن تحدد بنفسها أين تقف ومتى تتدخل وماذا تقدم

ووفقًا للعبارة التي جاءت في سياق هذا الطرح فإن ما حدث يمثل من وجهة نظر كوك نموذجًا لقدرة دولة على الوقوف أمام أمريكا وإسرائيل والعالم وفي الوقت نفسه القيام بما تراه هي مناسبًا لمصالحها


اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

HANY KHATER

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة وبكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس المنتدى الدولي للصحافة والإعلام كما سبق أن تولى رئاسة مكتب الاتحاد الدولي للصحافة العربية في كندا ورئاسة تحرير موقع الاتحاد إلى جانب عدد من المنصات الإعلامية. يمتلك الدكتور هاني خاطر خبرة واسعة في الصحافة والإعلام ويعمل صحفياً ومؤلفاً مهتماً بقضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. وتركز أعماله على القضايا التي تمس المجتمعات العربية وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وخلال مسيرته المهنية نشر العديد من المقالات والتحقيقات التي تناولت قضايا حقوق الإنسان والانتهاكات التي تطال الحريات العامة إضافة إلى قضايا الفساد. ويتميز أسلوبه بالجرأة والوضوح والحرص على طرح القضايا بمهنية وشفافية بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي. ويؤمن الدكتور هاني خاطر بأن الصحافة تمثل قوة مؤثرة في صناعة الوعي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات كما يرى أن الإعلام المسؤول يسهم في تعزيز التفكير النقدي ودعم قيم العدالة والحرية وبناء مجتمعات أكثر إنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!