الانفتاح على أوروبا والأسواق العالمية ضرورة لتعزيز استقلال القرار الاقتصادي الكندي وتوسيع الصادرات وجذب التكنولوجيا والاستثمارات وترسيخ شعار «صُنع في كندا»
لم يعد تنويع العلاقات التجارية والاقتصادية خيارًا ثانويًا أمام كندا بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وما تشهده العلاقات التجارية الدولية من تقلبات وتحديات. فالدولة التي ترتبط تجارتها بصورة كبيرة بسوق واحدة تظل أكثر عرضة لتأثير القرارات الاقتصادية والسياسية التي تصدر عن ذلك السوق مهما بلغت قوة اقتصادها أو تنوع موارده.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الشراكة الكندية الأوروبية والانفتاح على أسواق جديدة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها بما يمنح كندا مساحة أوسع للحركة الاقتصادية ويفتح أمام شركاتها فرصًا إضافية للتصدير والاستيراد ويعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات الصناعية ونقل التكنولوجيا الحديثة.
إن مستقبل الاقتصاد الكندي لا ينبغي أن يُبنى على استبدال الاعتماد على الولايات المتحدة بالاعتماد على أوروبا وإنما على إقامة شبكة واسعة ومتوازنة من العلاقات التجارية والاستثمارية تجعل كندا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر استفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي.
مقترح العضوية المنتسبة … خطوة نحو شراكة أوروبية جديدة
شهدت العلاقات الكندية الأوروبية تطورًا لافتًا خلال سبتمبر 2026 بعدما طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فكرة منح كندا صفة «العضو المنتسب» إلى الاتحاد الأوروبي في إطار صيغة جديدة لم يسبق تطبيقها ولا تزال بحاجة إلى تحديد طبيعتها القانونية والسياسية وقد رحّب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بتعميق التعاون مع أوروبا مع التأكيد أن كندا لا تسعى إلى الانضمام الكامل للاتحاد الأوروبي وإنما إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر اتساعًا تشمل التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي والتعليم.
وهنا يجب التمييز بين ما هو مطروح وما تحقق بالفعل؛ فحتى الآن لا يعني هذا المقترح أن كندا أصبحت عضوًا شرفيًا أو منتسبًا رسميًا داخل الاتحاد الأوروبي كما أن طبيعة العضوية المقترحة وشروطها وصلاحياتها لم تُحسم بعد لكن أهمية الفكرة تتجاوز المسمى لأنها تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين كندا وأوروبا وإمكانية بناء نموذج تعاون يمنح الطرفين مصالح متبادلة دون أن يتطلب انضمام كندا إلى الاتحاد بوضعه القانوني الحالي.
أولًا: لماذا تحتاج كندا إلى تنويع علاقاتها التجارية؟
ترتبط كندا والولايات المتحدة بعلاقات اقتصادية عميقة تمتد عبر التجارة والصناعة والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمارات وقد أسهم هذا الترابط في بناء سوق قارية متكاملة لكنه جعل الاقتصاد الكندي شديد التأثر بالتغيرات التي تطرأ على العلاقات التجارية مع واشنطن وتشير تقديرات منشورة عن التجارة الكندية إلى أن الولايات المتحدة تستوعب نحو 72% من الصادرات الكندية وهو ما يوضح حجم التركّز التجاري ومدى أهمية تنويع الأسواق أمام الاقتصاد الكندي ولا تعني هذه الحقيقة أن على كندا التخلي عن الولايات المتحدة أو الدخول في مواجهة اقتصادية معها فالسوق الأمريكية تظل شريكًا أساسيًا بحكم الجغرافيا والتكامل الصناعي والتجاري.
لكن الاعتماد المفرط على سوق واحدة يمثل نقطة ضعف استراتيجية خصوصًا عندما تتغير الرسوم الجمركية أو السياسات التجارية أو قواعد المنشأ أو شروط النفاذ إلى الأسواق ومن هنا فإن المطلوب هو أن تتعامل كندا مع تنويع التجارة باعتباره جزءًا من أمنها الاقتصادي وليس مجرد استجابة مؤقتة لخلاف سياسي أو تجاري فكل سوق جديدة تفتح أمام المنتج الكندي فرصة إضافية وكل مورد بديل يقلل من مخاطر تعطل الإمدادات وكل اتفاق استثماري جديد يمنح الشركات الكندية مساحة أكبر للنمو والتوسع.
ثانيًا: أوروبا.. سوق واسعة وفرص متبادلة
تمثل أوروبا مجالًا مهمًا أمام كندا لتوسيع تجارتها ليس فقط بسبب حجم السوق الأوروبية وإنما أيضًا بسبب تنوع اقتصاداتها واحتياجاتها الصناعية والتكنولوجية فأوروبا تضم اقتصادات متقدمة في مجالات الصناعات الهندسية والسيارات والطاقة المتجددة والدواء والمعدات الطبية والاتصالات والتكنولوجيا الرقمية وفي المقابل تمتلك كندا موارد طبيعية واسعة وقطاعات صناعية وخبرات علمية إلى جانب إمكانات في الطاقة والمعادن الحيوية والمنتجات الزراعية والتكنولوجيا.
هذا التكامل يتيح فرصًا للتعاون في أكثر من اتجاه:
- زيادة صادرات كندا من المنتجات الزراعية والغذائية والطاقة والمعادن والمنتجات الصناعية.
- توسيع استيراد المعدات والآلات والتقنيات الأوروبية التي تحتاجها المصانع الكندية.
- تطوير مشروعات مشتركة في الطاقة النظيفة والبطاريات والمعادن الحيوية.
- توسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والصناعات المتقدمة.
- تشجيع الشركات الأوروبية على إنشاء مصانع ومراكز إنتاج داخل كندا.
ولا ينبغي أن تقتصر العلاقة على شراء المنتجات الأوروبية وبيع المواد الخام إليها بل يجب أن تتحول إلى علاقة إنتاج واستثمار ونقل معرفة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الكندي.
ثالثًا: من الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية كندية
إن أحد أهم التحديات التي تواجه كندا هو كيفية الاستفادة من الانفتاح التجاري في تطوير قدرتها الإنتاجية المحلية فاستيراد التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته بل وسيلة لبناء صناعة وطنية أكثر تقدمًا وقدرة على المنافسة وعندما تستورد كندا آلة صناعية متطورة فإن المكسب الحقيقي لا يتوقف عند امتلاك الآلة وإنما يمتد إلى تدريب العمالة الكندية على تشغيلها وصيانتها وتطوير المهندسين المحليين وإقامة مراكز للبحث والتطوير ثم الانتقال تدريجيًا إلى تصنيع أجزاء منها أو إنتاج بدائل محلية.
وهذا يتطلب سياسة صناعية واضحة تقوم على جذب الاستثمارات التي تنشئ مصانع فعلية داخل البلاد لا تلك التي تكتفي بتوزيع المنتجات المستوردة أو تسويقها كما ينبغي أن تتضمن الاتفاقيات الاستثمارية حيثما أمكن وبما يتفق مع القوانين والالتزامات التجارية برامج للتدريب ونقل المعرفة وتطوير الموردين المحليين وزيادة المكوّن الكندي في الإنتاج.
إن الهدف هو الانتقال من كندا التي تستورد التكنولوجيا إلى كندا التي تمتلك القدرة على تطويرها وإنتاجها وتصديرها
رابعًا: إعلاء شعار «صُنع في كندا»
إن تعزيز شعار «صُنع في كندا» يجب أن يكون مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا وليس مجرد حملة دعائية لتشجيع شراء المنتجات المحلية فالصناعة الوطنية تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل وبنية تحتية مناسبة وطاقة بأسعار تنافسية وعمالة مؤهلة وتسهيلات تمويلية وسياسات مستقرة تشجع الشركات على التوسع.
كما تحتاج إلى ربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالمصانع حتى تتحول الابتكارات العلمية إلى منتجات قابلة للتصنيع والتسويق والتصدير ويمكن للشراكة الأوروبية أن تساهم في هذا المسار من خلال استقطاب الشركات التي تمتلك تكنولوجيا صناعية متقدمة وتشجيعها على إقامة خطوط إنتاج داخل كندا بدلًا من الاكتفاء بتصدير منتجاتها إليها.
ومن المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا التوجه:
الصناعات الهندسية والآلات
جذب مصانع المعدات الصناعية والروبوتات وتقنيات التصنيع الذكي وتطوير سلاسل توريد محلية.
السيارات الكهربائية والبطاريات
توسيع التصنيع المحلي للمكونات والبطاريات وربط الموارد المعدنية الكندية بالصناعات التحويلية.
الطاقة والتكنولوجيا النظيفة
تطوير تصنيع مكونات الطاقة المتجددة ومعدات كفاءة الطاقة والاستفادة من الخبرات الأوروبية.
الدواء والمعدات الطبية
دعم التصنيع المحلي وتوسيع البحث والتطوير وتقليل مخاطر الاعتماد على مصادر محدودة للمنتجات الحيوية.
أشباه الموصلات والإلكترونيات المتقدمة
تطوير قدرات كندية أكبر في تصنيع الرقائق الإلكترونية والمكونات الدقيقة وأجهزة الاستشعار والدوائر المتقدمة المستخدمة في السيارات والاتصالات والصناعات التكنولوجية الحديثة.
الطائرات والمكونات الجوية
توسيع تصنيع مكونات الطائرات والمحركات والأنظمة الإلكترونية والمعدات المرتبطة بالطيران والاستفادة من الخبرات الأوروبية في هندسة الطيران والصناعات الجوية.
السكك الحديدية ومعدات النقل العام
جذب استثمارات أوروبية لتصنيع القطارات وعربات المترو والترام وأنظمة الإشارات والتحكم والمكونات الهندسية اللازمة لتطوير النقل الجماعي داخل كندا.
معدات الاتصالات والشبكات الرقمية
تطوير تصنيع معدات شبكات الاتصالات والألياف البصرية ومراكز البيانات والمكونات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية بما يقلل الاعتماد على الاستيراد في القطاعات الاستراتيجية.
معدات البناء والتشييد المتقدمة
إنشاء أو توسيع تصنيع الآلات والمعدات الثقيلة ومعدات البناء وأنظمة البناء المسبق والمكونات الهندسية الحديثة المستخدمة في مشاريع الإسكان والبنية التحتية.
الصناعات الغذائية وتجهيز الأغذية
توسيع تصنيع معدات الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف وحفظ الأغذية وتحويل المنتجات الزراعية الكندية إلى منتجات ذات قيمة مضافة بدلا من الاعتماد على استيراد جزء من المنتجات المصنعة.
الكيماويات الصناعية والمواد المتقدمة
جذب صناعات إنتاج المواد الكيميائية الصناعية والمواد المركبة والمتقدمة المستخدمة في الطيران والسيارات والطاقة والبناء والصناعات التكنولوجية.
معدات التعدين ومعالجة المعادن
الاستفادة من الثروة المعدنية الكندية في إنشاء صناعة محلية لإنتاج معدات التعدين والحفر ومعالجة المعادن بدلا من تصدير المواد الخام واستيراد جزء من المعدات والتكنولوجيا المرتبطة بها.
الروبوتات والأتمتة الصناعية
إنشاء قاعدة تصنيع وتطوير للروبوتات الصناعية وأنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي المخصص للمصانع والمناجم والطاقة والخدمات اللوجستية.
التقنيات الزراعية والمعدات الزراعية الذكية
تطوير تصنيع المعدات الزراعية الحديثة والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار وأنظمة الزراعة الدقيقة والذكاء الاصطناعي المستخدم في إدارة المحاصيل والثروة الحيوانية.
الصناعات البحرية وبناء السفن
توسيع تصنيع السفن والمعدات البحرية والمحركات والأنظمة الإلكترونية وسفن الخدمات والطاقة البحرية مستفيدة من الموقع الجغرافي لكندا واتساع سواحلها.
إعادة تدوير البطاريات والمعادن والتقنيات الدائرية
إنشاء صناعة متقدمة لإعادة تدوير البطاريات واستخراج المعادن من المنتجات المستعملة وإعادة إدخالها في سلاسل التصنيع المحلية بما يعزز أمن المواد الخام ويخفض تكاليف الإنتاج.
السلع الاستهلاكية والصناعات الخفيفة
توسيع قاعدة التصنيع المحلي في كندا لتشمل مجموعة واسعة من السلع الاستهلاكية التي تعتمد السوق الكندية على استيرادها بدرجات متفاوتة.
المنسوجات والملابس
تطوير صناعة كندية للملابس والمنسوجات والمنتجات النسيجية المتخصصة بما يشمل الملابس الجاهزة والملابس الشتوية والملابس المهنية والواقية والمنسوجات التقنية مع الاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الأوروبية في التصميم والتصنيع.
الأحذية والمنتجات الجلدية
إعادة توسيع تصنيع الأحذية والحقائب والمنتجات الجلدية والمنتجات البديلة للجلد داخل كندا وفتح المجال أمام العلامات التجارية الأوروبية لإنشاء مصانع أو مراكز إنتاج محلية.
الأثاث والمفروشات
زيادة تصنيع الأثاث المنزلي والمكتبي والمطابخ والمفروشات والمراتب وغيرها من المنتجات المرتبطة بالسكن والمكاتب مع تطوير التصميم والإنتاج المحلي.
الأجهزة والأدوات المنزلية
جذب شركات أوروبية لإنتاج الأدوات والأجهزة المنزلية الصغيرة ومعدات المطابخ ومنتجات النظافة والتخزين وغيرها من السلع المستخدمة بشكل يومي.
منتجات العناية الشخصية ومستحضرات التجميل
توسيع التصنيع المحلي لمستحضرات التجميل والعناية بالبشرة والشعر والعطور ومنتجات النظافة الشخصية مع تشجيع البحث والتطوير والإنتاج داخل كندا.
الألعاب ومنتجات الأطفال
تطوير صناعة محلية للألعاب والأثاث والمنتجات التعليمية ومنتجات الأطفال بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويفتح المجال أمام الشركات الأوروبية للدخول إلى السوق الكندية.
الورق والتغليف والمنتجات الاستهلاكية المستدامة
تطوير تصنيع منتجات التغليف والعبوات الورقية والمواد القابلة لإعادة التدوير والمنتجات المنزلية المستدامة والاستفادة من الموارد الكندية مع التكنولوجيا الأوروبية.
المنتجات الرياضية والترفيهية
جذب صناعات متخصصة في الملابس والمعدات الرياضية ومعدات الأنشطة الخارجية والتخييم والرياضات الشتوية وهي قطاعات تتناسب مع طبيعة السوق الكندية.
المنتجات المنزلية والبلاستيكية والمطاطية
توسيع تصنيع الأدوات المنزلية وحاويات التخزين والمنتجات البلاستيكية والمطاطية والمنتجات المستخدمة في المنازل والمكاتب وقطاعات الخدمات والصناعة.
الأدوات الكهربائية والإلكترونية الاستهلاكية
تشجيع تصنيع وتجميع مجموعة من الأجهزة والأدوات الإلكترونية والكهربائية الاستهلاكية والمكونات الخاصة بها داخل كندا مع تطوير سلاسل توريد محلية.
مواد البناء والتجهيزات المنزلية
توسيع إنتاج الأبواب والنوافذ والأرضيات والأدوات الصحية وتجهيزات المطابخ والحمامات والعزل والمواد المستخدمة في تشييد وتجديد المنازل.
المنتجات الورقية والمنزلية اليومية
تطوير إنتاج المناديل والمنتجات الورقية والعبوات والمنتجات المنزلية اليومية بما يستفيد من الموارد الطبيعية الكندية ويزيد القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي.
الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر
تطوير منتجات استهلاكية قابلة لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير ومنخفضة الانبعاثات إلى جانب تقنيات التغليف المستدام والمواد البديلة للبلاستيك التقليدي.
ولا يعني ذلك أن كل منتج يجب أن يُصنّع محليًا مهما كانت تكلفته بل إن المطلوب هو تحديد الصناعات التي تمنح كندا قيمة مضافة حقيقية وتوفر وظائف نوعية وتزيد قدرتها على التصدير وتعزز أمنها الاقتصادي.
خامسًا: تعدد المنافذ التجارية.. ضرورة لا رفاهية
إن تنويع التجارة لا يتحقق بمجرد توقيع اتفاقيات جديدة وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة من الأسواق والموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية فإذا أرادت كندا توسيع صادراتها إلى أوروبا فعليها تطوير قدراتها في النقل البحري والسكك الحديدية والموانئ وتحسين سلاسل التبريد للمنتجات الغذائية وتسهيل الإجراءات الجمركية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الوصول إلى الأسواق الخارجية كما أن تنويع الاستيراد يجب أن يشمل المواد الخام والمكونات الصناعية والآلات والمنتجات الوسيطة حتى لا تتوقف المصانع الكندية عند حدوث أزمة في دولة واحدة أو منطقة واحدة.
ويمكن لكندا أن تعمل على توسيع علاقاتها مع:
- الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
- مصر وعدة دول افريقية.
- دول آسيا والمحيط الهادئ.
- الاقتصادات الصناعية في شرق آسيا.
- الأسواق النامية في أمريكا اللاتينية.
- الشركاء التجاريين في مناطق أخرى من العالم.
ويجب أن يستند هذا التوسع إلى دراسات جدوى وتقييم تكاليف النقل والتعريفات الجمركية وفهم المعايير التنظيمية وليس إلى مجرد الرغبة في فتح أسواق جديدة.
فالتنويع الناجح هو الذي يخلق بدائل تجارية قابلة للاستمرار وليس مجرد اتفاقيات تبقى حبرًا على ورق.
سادسًا: اتفاقية التجارة الكندية الأوروبية.. البناء على الموجود
لا تبدأ كندا وأوروبا من نقطة الصفر فهناك بالفعل اتفاقية التجارة الاقتصادية والتجارية الشاملة المعروفة باسم «سيتا» (CETA) والتي توفر إطارًا للتجارة والاستثمار بين الطرفين وقد ارتفع حجم التجارة الثنائية وفق تحليل نشرته رويترز بنحو 81% بين عامي 2016 و2025 مع الإشارة إلى أن الأثر الاقتصادي الكلي ظل محدودًا مقارنة بحجم الطموحات المطروحة وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بإبرام اتفاقيات جديدة بل أيضًا بتحسين تنفيذ الاتفاقيات القائمة وإزالة العقبات أمام الشركات واستكمال إجراءات التصديق التي لا تزال معلقة في بعض الدول الأوروبية.
وقد أُثيرت بالفعل تحفظات أوروبية بشأن فكرة العضوية المنتسبة مع دعوات إلى التركيز على تطبيق الاتفاقيات القائمة وتوسيع التعاون في المجالات التي يمكن تحقيق تقدم فيها ومن هنا فإن أي صيغة جديدة للعلاقة يجب أن تقدم فوائد عملية واضحة وأن تحدد الالتزامات والصلاحيات وألا تكتفي بمسمى سياسي جذاب دون مضمون اقتصادي قابل للتنفيذ.
سابعًا: جذب الاستثمارات الأوروبية إلى الداخل الكندي
إن استقطاب الاستثمارات الصناعية الأوروبية يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لأي شراكة استراتيجية جديدة فبدلًا من أن تقتصر العلاقة على زيادة تدفق المنتجات الأوروبية إلى السوق الكندية يمكن العمل على تشجيع الشركات الأوروبية على إنشاء مصانع ومراكز تطوير وأبحاث داخل كندا ويحتاج ذلك إلى بيئة استثمارية مستقرة وإجراءات ترخيص أكثر وضوحًا وتنسيق بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات إلى جانب توفير الأراضي الصناعية والطاقة والبنية التحتية والكوادر المؤهلة.
كما ينبغي أن تتجه الحوافز الحكومية إلى المشروعات التي تقدم قيمة اقتصادية طويلة الأجل مثل:
- إنشاء مصانع جديدة داخل كندا.
- تدريب العمالة ونقل الخبرات الفنية.
- تطوير الموردين والشركات الكندية الصغيرة والمتوسطة.
- إقامة مراكز بحث وتطوير مشتركة.
- زيادة الصادرات الكندية الناتجة عن الإنتاج المحلي.
وفي المقابل يجب تقييم كل مشروع وفق تكلفته وعائده الاقتصادي وعدد الوظائف التي يخلقها ومدى استدامته وأثره على المنافسة والبيئة فالاستثمار الأجنبي ليس هدفًا مستقلًا عن التنمية وإنما أداة يجب أن تخدم بناء الاقتصاد المحلي.
ثامنًا: التوازن الاقتصادي لا يعني القطيعة مع واشنطن
من المهم التأكيد أن التقارب مع أوروبا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تخليًا عن الولايات المتحدة أو محاولة لاستبدال شريك بآخر فكندا والولايات المتحدة ترتبطان بحدود جغرافية طويلة وسلاسل إنتاج متداخلة وتعاون واسع في قطاعات حيوية ومن الصعب كما أنه ليس بالضرورة مفيدًا فصل الاقتصاد الكندي عن هذا الترابط لكن من حق كندا ومن مصلحتها الاقتصادية أن توسع خياراتها وأن تعمل على تقليل المخاطر الناتجة عن التركّز التجاري.
والتوازن المطلوب هو أن تتمكن كندا من الاستمرار في التجارة مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه زيادة تجارتها مع أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية بما يتيح لها التفاوض من موقع أكثر تنوعًا ويمنح شركاتها فرصًا أكبر للنمو إن تعدد الشركاء لا يعني العداء لشريك بعينه بل يعني امتلاك خيارات أوسع وتقليل احتمالات التعرض لأزمة اقتصادية بسبب تغير السياسات في سوق واحدة.
تاسعًا: التحديات التي يجب التعامل معها بواقعية
رغم الفرص المتاحة فإن توسيع الشراكة الكندية الأوروبية لن يكون عملية سهلة أو سريعة فالتجارة عبر الأطلسي تواجه تكاليف نقل ومسافات طويلة واختلافات في بعض المعايير التنظيمية وتنافسًا بين الصناعات فضلًا عن التعقيدات القانونية والسياسية التي تحيط بأي صيغة جديدة للعلاقة كما أن توسيع الوصول إلى الأسواق الأوروبية قد يتطلب من الشركات الكندية التكيف مع معايير فنية وبيئية وتنظيمية مختلفة وهو ما قد يفرض تكاليف إضافية خصوصًا على الشركات الصغيرة.
ومن ناحية أخرى فإن جذب المصانع الأوروبية إلى كندا يحتاج إلى ضمانات بشأن استقرار السياسات وتوافر العمالة وتكاليف الطاقة وسهولة الوصول إلى الأسواق ولهذا فإن النجاح لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو الاجتماعات المنعقدة بل بمدى تحول هذه التفاهمات إلى استثمارات فعلية وزيادة مستدامة في الصادرات وارتفاع في الإنتاجية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.
الخلاصة : كندا أمام فرصة لإعادة بناء توازنها الاقتصادي
إن الحديث عن منح كندا صفة العضو المنتسب في الاتحاد الأوروبي مهما كان الشكل الذي ستستقر عليه المفاوضات يفتح نقاشًا مهمًا حول مستقبل الاقتصاد الكندي وموقعه في عالم تتغير فيه موازين التجارة والاستثمار لكن جوهر القضية لا يكمن في المسمى وحده بل في قدرة كندا على تحويل التقارب السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
فالمطلوب هو توسيع أسواق التصدير وتنويع مصادر الاستيراد وجذب الاستثمارات الصناعية واستيراد التكنولوجيا بهدف توطينها وتطويرها وتعزيز الصناعات الوطنية تحت شعار «صُنع في كندا» ويجب ألا تكتفي كندا بدور المورد للمواد الخام أو المستهلك للمنتجات المصنعة في الخارج بل أن تسعى إلى بناء اقتصاد ينتج ويبتكر ويصدر ويستفيد من علاقاته الدولية في تطوير قدراته الداخلية.
إن كندا لا تحتاج إلى التخلي عن الولايات المتحدة وإنما إلى التخلي عن فكرة الاعتماد على دولة واحدة بوصفها المنفذ الأساسي لتجارتها ومستقبلها الاقتصادي فكلما تعددت الأسواق والشركاء ومصادر التكنولوجيا والاستثمار ازدادت قدرة كندا على حماية مصالحها وتوسيع فرص العمل وتحقيق توازن اقتصادي أكثر استدامة والرهان الحقيقي ليس على أوروبا وحدها بل على كندا القادرة على الانفتاح على العالم كله مع الحفاظ على مصالحها الوطنية وبناء قاعدة صناعية قوية تجعل عبارة «صُنع في كندا» عنوانًا للإنتاج والتكنولوجيا والتنافسية في الأسواق العالمية.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




