تكشف طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة السودانية والتحولات السياسية في سوريا عن مفارقة سياسية تستحق التوقف أمامها وتطرح تساؤلات جوهرية بشأن المعايير التي تعتمدها واشنطن في تحديد من يستحق الاعتراف والقبول الدولي ومن يجب إغلاق الأبواب أمامه
ففي الوقت الذي ترفض فيه الإدارة الأمريكية منح قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان تأشيرة دخول إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نجد الإدارة نفسها قد استقبلت الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض رغم أن الأخير كان حتى وقت قريب مدرجاً على قوائم الإرهاب الأمريكية بسبب ارتباطه السابق بجبهة النصرة وتنظيم القاعدة وداعش.
إنها مفارقة تكشف أن السياسة الأمريكية لا تتحرك دائماً وفق معيار ثابت في التعامل مع القيادات التي ارتبطت بالصراعات المسلحة أو وصلت إلى السلطة في ظروف استثنائية وإنما تتأثر بحسابات المصالح والتحالفات والتغيرات الجيوسياسية
الشرع من قوائم الإرهاب إلى استقبال البيت الأبيض
في نوفمبر 2025 استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض في مشهد يعكس تحولاً كبيراً في الموقف الأمريكي من الرجل الذي كان اسمه مدرجاً على قوائم الإرهاب الأمريكية
ولم يكن التحول مجرد لقاء دبلوماسي عابر بل جاء بعد سلسلة قرارات أمريكية شملت رفع تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية في يوليو 2025 ثم إلغاء تصنيف الشرع شخصياً إرهابياً في نوفمبر من العام نفسه
وفي أغسطس 2026 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب كما أعلنت رفع تصنيف هيئة تحرير الشام ككيان إرهابي عالمي مدرج على قوائم العقوبات الأمريكية وبذلك انتقل الشرع من مرحلة الملاحقة والتصنيف والعقوبات إلى مرحلة التعامل الرسمي واستعادة العلاقات والانفتاح السياسي والاقتصادي
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت واشنطن قادرة على مراجعة مواقفها من شخصية كانت مصنفة إرهابية وفتح أبواب البيت الأبيض أمامها فلماذا تتعامل بمنطق مختلف مع البرهان وترفض منحه حتى تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة؟
البرهان والشرع — لماذا تتغير المعايير؟
لا يمكن إنكار اختلاف الظروف السياسية والعسكرية بين السودان وسوريا كما لا يمكن تجاهل أن الإدارة الأمريكية تبرر انفتاحها على الحكومة السورية الجديدة بالتزامات تتعلق بمكافحة الإرهاب والتعاون الأمني وإبعاد سوريا عن التنظيمات المتطرفة
لكن هذه المبررات لا تلغي ضرورة طرح سؤال المعايير المزدوجة
فواشنطن التي كانت تصنف الشرع إرهابياً أصبحت تتعامل معه رئيساً وتستقبله رسمياً بينما تتخذ موقفاً متشدداً من البرهان وتمنعه من دخول أراضيها للمشاركة في اجتماعات دولية
والأكثر إثارة للتساؤل أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على البرهان في يناير 2025 مستندة إلى اتهامات تتعلق بانتهاكات ارتكبتها قوات الجيش السوداني وتقويض الانتقال الديمقراطي
لكن هل يكفي ذلك وحده لتبرير التباين الكامل في التعامل الدبلوماسي؟ وهل أصبحت المعايير الأمريكية مرتبطة بمدى قدرة الحاكم على تقديم ضمانات تخدم المصالح الأمريكية أكثر من ارتباطها بمسألة الشرعية السياسية؟
السياسة الأمريكية لا تعرف الأصدقاء الدائمين
تكشف التجربتان السورية والسودانية أن واشنطن تمتلك القدرة على تغيير مواقفها بصورة جذرية عندما تتغير الحسابات السياسية والاستراتيجية فالرجل الذي كان مطلوباً على خلفية تصنيفه الإرهابي أصبح شريكاً سياسياً تتعامل معه الإدارة الأمريكية بينما لا تزال أبواب نيويورك مغلقة أمام قائد الجيش السوداني
وهذا لا يعني بالضرورة أن الحالتين متطابقتان قانونياً أو أن رفع التصنيف الإرهابي عن الشرع يثبت شرعية كل ممارساته السابقة كما لا يعني أن العقوبات المفروضة على البرهان يجب أن تُلغى تلقائياً
لكن المقارنة تكشف أن الاعتراف السياسي والعلاقات الدولية لا تتحرك دائماً وفق مقياس قانوني أو أخلاقي واحد وإنما تتداخل فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية ومواقف الأطراف من الملفات الإقليمية
السودان ليس أقل أهمية من الحسابات الأمريكية
إن أزمة السودان لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ورقة في صراع النفوذ الإقليمي أو وسيلة لممارسة الضغوط على أحد أطراف الحرب فالشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً للصراع يستحق أن تكون الأولوية لوقف الحرب وحماية المدنيين وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإقامة حكم مدني يستند إلى إرادة الشعب
كما أن رفض تأشيرة البرهان لا يحسم وحده مسألة شرعيته السياسية مثلما أن استقبال الشرع في البيت الأبيض لا يمثل حكماً نهائياً على شرعية جميع ممارسات السلطة السورية الجديدة
ميزان المصالح أم ميزان المبادئ؟
في النهاية لا يتعلق الأمر بالدفاع عن البرهان أو تبرئة قيادته من الاتهامات الموجهة إليها ولا بتجاهل ماضي الشرع أو تجاوز التصنيفات الأمريكية السابقة بحقه
إنما يتعلق الأمر بضرورة مساءلة السياسة الأمريكية عن المعايير التي تستخدمها في التعامل مع القيادات التي كانت موضع اتهام أو عقوبات أو تصنيفات إرهابية ثم أصبحت أطرافاً مقبولة في الحسابات الدولية
فإذا كانت واشنطن قد استطاعت الانتقال من تصنيف الشرع إرهابياً إلى استقباله رئيساً في البيت الأبيض فإن من حق المراقبين التساؤل عن الأسس التي تجعلها تتعامل مع البرهان بمنطق مختلف وعن مدى ارتباط قراراتها بالمصالح السياسية والاستراتيجية
فالمشكلة ليست في أن تغير واشنطن مواقفها وإنما في أن تبدو المبادئ قابلة للتطبيق على طرف والتجاوز مع طرف آخر
وهنا تبدو السياسة الأمريكية وكأنها تضع المنطقة أمام ميزان بمكيالين: من تتغير حوله المصالح تتغير معه التصنيفات والأبواب المغلقة ومن تتعارض حساباته مع توجهات واشنطن تظل أمامه أبواب الاعتراف والتعامل مغلقة
والسؤال الذي يبقى مطروحاً: هل تحكم واشنطن على القيادات بمعايير ثابتة من الشرعية والمساءلة أم أن معيار القبول والرفض يتغير بتغير المصالح؟
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




