لا لمقترح ترامب.. دعوا سوريا تبني واتركوا لبنان يتعافى

دكتور يوسف العميري

في السياسة لا تطلق التصريحات الكبرى عبثا، خصوصا عندما تصدر عن رئيس الولايات المتحدة، لذلك فإن الحديث المنسوب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يقترح فيه أن تترك إسرائيل مهمة التعامل مع حزب الله إلى سوريا لأنها – بحسب تعبيره – ستقوم بالمهمة على نحو أفضل، لا يمكن اعتباره مجرد رأي عابر، بل يعكس ذهنية سياسية تقوم على إعادة رسم أدوار دول المنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، ولو كان الثمن استقرار شعوب أنهكتها الحروب.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا لماذا يراد لسوريا أن تتحول إلى ساحة حرب جديدة؟ ولماذا يطلب منها أن تخوض معارك الآخرين، وهي الدولة التي لم تكد تلتقط أنفاسها بعد أكثر من عقد من الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي؟

لقد دفعت سوريا أثمانا باهظة خلال السنوات الماضية حيث مدن دمرت واقتصاد تراجع وبنية تحتية انهارت، وملايين المواطنين اضطروا إلى النزوح داخل البلاد وخارجه،. واليوم وبعد أن بدأت مؤشرات خجولة لعودة الحياة، وظهرت محاولات لإعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة، يأتي من يقترح تحميلها عبئا أمنيا وعسكريا جديدا، وكأن معاناة السوريين لم تكن كافية.

والحال نفسه ينطبق على لبنان.

فلبنان يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، عملته فقدت معظم قيمتها، ومؤسساته تكافح للاستمرار، وشبابه يهاجرون بحثا عن فرصة، فيما يحاول اللبنانيون رغم كل الانقسامات، إعادة بناء دولتهم وإنقاذ اقتصادهم واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

فهل المطلوب أن يعود هذا البلد مرة أخرى إلى دائرة الحروب أو بالأحرى أن يظل فيها دوما؟

إن أخطر ما في مثل هذه التصريحات والمقترحات الخبيثة أنها تعيد إنتاج مفهوم حروب الوكالة، حيث تتحول الدول إلى أدوات لتنفيذ أجندات الآخرين، بينما تبقى القوى الكبرى بعيدة عن ساحات القتال، تراقب المشهد وتدير الصراع من خلف الستار.

التاريخ القريب في الشرق الأوسط مليء بهذه النماذج، دول استنزفت لعقود لأنها وجدت نفسها طرفا في صراعات لم تكن تخدم مصالح شعوبها، وإنما جاءت استجابة لحسابات إقليمية ودولية أكبر منها، وكانت النتيجة دائما واحدة: دمار اقتصادي وانقسامات اجتماعية وتأخر في التنمية وخسارة أجيال كاملة.

وإذا كانت إسرائيل المحتلة ترى أن لديها تحديات أمنية، وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في حماية حليفتها، فلماذا يطلب من دولة أخرى أن تتحمل كلفة المواجهة؟

ولماذا يصبح أمن إسرائيل مسؤولية سوريا، بينما تبقى إعادة إعمار سوريا مسؤولية السوريين وحدهم؟

إن المنطق السياسي السليم يقول إن كل دولة مسؤولة عن أمنها وسيادتها، أما نقل الأعباء العسكرية إلى دول الجوار فلا يصنع استقرارا، بل يوسع دائرة الصراع ويخلق أزمات جديدة.

كما أن توريط سوريا في مواجهة جديدة لن ينعكس على سوريا وحدها، بل سيمتد أثره إلى لبنان والأردن والعراق، وربما إلى المنطقة بأكملها، فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل جبهة إضافية، ولا شعوبه تحتمل دورة جديدة من النزاعات، بعد سنوات طويلة من الحروب التي استنزفت الإنسان والاقتصاد وفرص التنمية.

والمفارقة أن العالم كله يتحدث اليوم عن إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية وعودة اللاجئين وتعافي الاقتصادات، بينما تأتي مثل هذه التصريحات لتدفع المنطقة في الاتجاه المعاكس تماما.

إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فتح جبهة جديدة، بل فتح المصانع والمدارس والجامعات، واستكمال مشاريع إعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وإعادة اللاجئين إلى بيوتهم.

وما يحتاجه لبنان ليس حربا جديدة بل إصلاحا اقتصاديا واستعادة ثقة المستثمرين وإنقاذ قطاعه المصرفي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوفير حياة كريمة لمواطنيه.

فالشعوب لا تعيش على أصوات المدافع لكن على الاستقرار والاقتصاد والتعليم والعمل.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو أن بعض القوى الدولية وعلى رأسها أمريكا لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره رقعة شطرنج، تحرك فيها الدول وفق حسابات النفوذ، لا وفق مصالح شعوبها، وهذه النظرة أثبتت فشلها مرارا، لأنها لم تنتج سوى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

لقد آن الأوان لأن يترك السوريون يعيدون بناء وطنهم، وأن يترك اللبنانيون يعالجون أزماتهم بأيديهم، بعيدا عن مشاريع الاستنزاف والصراعات المفتوحة.

فالمنطقة لا تحتاج إلى وكلاء جدد للحروب إنما إلى شركاء في السلام والتنمية.

ومن حق سوريا أن تتعافى ومن حق لبنان أن ينهض، ومن حق شعبيهما أن يعيشا بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية التي لم تجلب لهما سوى الألم والخسارة.

أما القوى الكبرى فإن كانت حقا حريصة على استقرار المنطقة، فلتساعد في إعادة الإعمار، ودعم الاقتصاد وتشجيع الحوار، بدل البحث عن ساحات جديدة لتبادل الرسائل العسكرية.

فالتاريخ أثبت أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائما بدفع الشعوب الثمن.

ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تقال بوضوح هي دعوا سوريا تبني ودعوا لبنان يتعافى، فقد آن لهذا الجزء المنهك من العالم أن يعيش سنوات من السلام، بدل أن يكتب عليه أن يكون مرة بعد أخرى مسرحا لحروب الآخرين.


اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام GFJM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اظهر المزيد

HANY KHATER

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة وبكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس المنتدى الدولي للصحافة والإعلام كما سبق أن تولى رئاسة مكتب الاتحاد الدولي للصحافة العربية في كندا ورئاسة تحرير موقع الاتحاد إلى جانب عدد من المنصات الإعلامية. يمتلك الدكتور هاني خاطر خبرة واسعة في الصحافة والإعلام ويعمل صحفياً ومؤلفاً مهتماً بقضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. وتركز أعماله على القضايا التي تمس المجتمعات العربية وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وخلال مسيرته المهنية نشر العديد من المقالات والتحقيقات التي تناولت قضايا حقوق الإنسان والانتهاكات التي تطال الحريات العامة إضافة إلى قضايا الفساد. ويتميز أسلوبه بالجرأة والوضوح والحرص على طرح القضايا بمهنية وشفافية بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي. ويؤمن الدكتور هاني خاطر بأن الصحافة تمثل قوة مؤثرة في صناعة الوعي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات كما يرى أن الإعلام المسؤول يسهم في تعزيز التفكير النقدي ودعم قيم العدالة والحرية وبناء مجتمعات أكثر إنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!