تستقبل الساحة الثقافية العربية صدور كتاب «عروق الزمن – Les Veines du Temps» للفنانة التشكيلية والكاتبة التونسية البلجيكية سناء هيشري، الصادر عن دار نيرفانا للنشر، في عمل فني وثقافي يلتقي فيه الإبداع التشكيلي مع التأمل الإنساني، وتصبح فيه اللوحة لغة قادرة على حمل آثار الزمن والحفاظ على تفاصيله.
هذا الإصدار الثنائي اللغة، بالعربية والفرنسية، هو ثمرة مسار فني تغذّيه سنوات من البحث والتأمل والإبداع بين تونس وأوروبا والعالم العربي. تطوّر سناء هيشري من خلاله رؤية خاصة تجعل من الفن فضاءً لقراءة الإنسان عبر مراحله وتحولاته، مع منح اللون دورًا يتجاوز التعبير الجمالي ليصبح حافظًا للذاكرة وصانعًا للمعنى.
في «عروق الزمن»، تظهر المرأة باعتبارها الوعاء الحي للتجربة الإنسانية، وتتجسّد عبر ثلاث أجيال متتالية: طفلة تحمل دهشة البدايات، وامرأة تصوغ ملامح العطاء والاكتمال، وحكيمة تحمل في داخلها تراث الزمن وخبرة السنوات. ومن خلال هذا المسار الإنساني، تنبض الصفحات بحوار متواصل بين الماضي والحاضر، بينما تنسج خيوط الذاكرة بناءً بصريًا تتحد فيه الألوان مع الأحاسيس والحكايات.
تلخّص سناء هيشري فلسفة هذا العمل في عبارة تمثل مفتاح قراءته:
«عندما تعجز الكلمات عن حمل الذاكرة، تتولى الألوان مواصلة الحكاية وإتمامها».
منذ الصفحات الأولى، تصبح الألوان لغة موازية للكلمات، تحمل أثر الزمن وتحكي قصة الإنسان عبر الوجوه والتعبيرات والتحولات. وتقود القارئ إلى عوالم تشكيلية غنية بالمادة والحركة والضوء، حيث تكتسب الألوان بعدًا سرديًا يكشف الأفراح والتجارب والأحلام المنقوشة في الوجوه. وهكذا تصبح الأعمال أرشيفًا بصريًا يضيء مراحل مختلفة من الحياة الإنسانية ويمنحها صدى جديدًا في الوعي والإحساس.
تعكس الأعمال المقدمة ملامح تجربة فنية تشكلت داخل الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسل، وتدعمت عبر سنوات من المعارض والورشات والأنشطة الثقافية بين بروكسل ودبي وتونس. وتحمل إبداعات سناء هيشري بصمة تجمع بين العمق الهوياتي والانفتاح على مختلف التجارب الإنسانية.
ويحتضن الكتاب أيضًا أعمال سبع عشرة فنانة تشكيلية، في مبادرة ثقافية تحتفي بالتجارب الفنية النسائية وتمنحها فضاءً للتثمين والاعتراف ونقل التجارب ضمن إصدار خالد.
وتجدر الإشارة إلى أن اختيار هؤلاء الفنانات السبع عشرة جاء ثمرة مسار مدروس ودقيق أطلقته سناء هيشري، ثم عُرض على لجنة فنية في بروكسل قامت بتقييمه والمصادقة عليه. وقد استند هذا الاختيار إلى جودة المسارات، وخصوصية العوالم التشكيلية، وغنى المقاربات الإبداعية الخاصة بكل مشاركة.
فقد حملت سناء هيشري نظرة دقيقة وشخصية تجاه كل فنانة، وكشفت بوضوح عن الخصائص الجمالية والإنسانية والفنية التي تميز تجربتها. ويمنح هذا التوجه الكتاب بعدًا قيّمًا من الناحية التنظيمية والفنية، ليصبح «عروق الزمن» مشروعًا قائمًا على رؤية تشكيلية متكاملة، تجد فيه كل فنانة مكانها الطبيعي ضمن حوار حساس بين الأجيال والتجارب والتعبيرات الفنية المختلفة.
يجمع الكتاب أعمال الفنانات:
دلندة دريرة
فنانة تشكيلية تبني تجربتها بحس إنساني عميق، وتمنح اللون قدرة خاصة على ملامسة المشاعر. حضورها في «عروق الزمن» يعكس غنى التجربة ونبل الرؤية.
سارة بن شيبوب
مسار فني يبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة اليومية ويحوّل الأحاسيس إلى فضاءات لونية نابضة بالحياة. تكشف أعمالها عن حس بصري رفيع وتعبير أنيق.
ليلى منتصر
فنانة تحتفي بالضوء والذاكرة، وتمنح اللوحة بعدًا إنسانيًا عميقًا. يتميز عملها بتوازن دقيق بين الرهافة وقوة التعبير.
الدكتورة ألفة بنعودة
تقدم عالمًا بصريًا غنيًا بالألوان والإيقاعات التشكيلية، يكشف عن شغف دائم بالبحث والتجديد. تجمع بصمتها الفنية بين الأصالة والخصوصية.
فاطمة شعبوني
تستلهم أعمالها من التجربة الإنسانية وجماليات الحياة اليومية. تتميز لوحاتها بالصدق والعفوية والانسجام اللوني.
سارة بودن
فنانة تمتلك لغة بصرية هادئة وعميقة، يلتقي فيها الإحساس بالتأمل. حضورها يمنح الكتاب لمسة من الرقة والجمال.
يسرى السقا
تجربة فنية منفتحة على عوالم متعددة من الحساسية والخيال، يلعب فيها اللون دورًا أساسيًا في بناء المعنى. تحمل أعمالها طاقة إيجابية ونورًا خاصًا.
آمنة القرمازي
فنانة تجمع بين الصرامة الأكاديمية والحرية الإبداعية، فتمنح أعمالها شخصية واضحة. تعكس لوحاتها نضجًا فنيًا ورؤية متميزة.
آمنة بن براهيم
تحتفي بالتفاصيل الدقيقة وتمنحها قيمة جمالية خاصة. يعكس مسارها ارتباطًا صادقًا بالفن والتعبير الإنساني.
لطيفة العنابي
فنانة تقيم حوارًا بين الذاكرة والمكان بلغة تشكيلية رقيقة ومنسجمة. يثري حضورها العمل ببعد بصري وإنساني لافت.
سهام قراندي نميسي
تحمل رؤية فنية حيوية وجريئة، وتستخدم اللون لبناء عوالم نابضة بالحياة. يجمع عملها بين التوازن وقوة التعبير.
نعيمة حاج محمد
فنانة تؤمن بأن الفن فضاء للتفكير والتواصل الإنساني. تتميز أعمالها بالهدوء البصري والشعور العميق بالانسجام.
وفاء الانجليز
مسار فني يحمل الأناقة والهدوء، ويكشف عن حساسية راقية في معالجة اللون والتكوين. تنشر أعمالها أجواء من السلام والجمال.
هالة التليلي
فنانة تلامس من خلال أعمالها جوهر المشاعر الإنسانية، وتمنح اللوحة بعدًا تأمليًا خاصًا. يعكس حضورها إبداعًا متجددًا باستمرار.
سميرة الميلادي
تستكشف من خلال أعمالها غنى التنوع وحرية التعبير، وتبني تكويناتها بشغف. تضيف تجربتها إلى المشروع بعدًا إنسانيًا مميزًا.
كاميليا حشيشة
فنانة ذات حس جمالي كبير وقدرة على إقامة حوار متناغم بين اللون والشكل. تشع أعمالها بالحيوية والأناقة.
نور جمل
تجسد روح الجيل الجديد داخل هذا الإصدار. تحمل إبداعاتها طاقة الأمل والتجدد، وتفتح آفاقًا مشرقة نحو المستقبل.
يمنح هذا التنوع الفني الكتاب ثراءً بصريًا وإنسانيًا يعكس تعدد الرؤى والتجارب، ويؤكد أهمية الإبداع الفني النسائي في إثراء الساحة التشكيلية العربية وبناء جسور بين الأجيال.
حظي هذا المشروع بدعم بنك STB، وهي مساهمة تعكس أهمية الثقافة والفنون في تنمية المجتمع ودعم المبادرات الإبداعية التي تجمع بين القيمة الجمالية والبعد الإنساني.
يمثل «عروق الزمن» محطة جديدة في المسار الثقافي والفني لسناء هيشري، الكاتبة والباحثة والفنانة التشكيلية البلجيكية من أصل تونسي، عضوة الاتحاد التونسي للفنانين التشكيليين، صاحبة أكثر من عقدين من الخبرة في مجالات الفنون الجميلة والتعليم والتأطير الثقافي.
كما يواصل هذا الإصدار الالتزام الإنساني الذي يميز مسارها، إذ تُخصص عائدات كتبها لفائدة الأطفال الأيتام، انطلاقًا من إيمانها بأن الثقافة تساهم في تعزيز قيم التضامن والعطاء والأمل.
يمنح «عروق الزمن» القارئ تجربة تحتفي بالإنسان والذاكرة والجمال، ويمنح الألوان فرصة لرواية القصص التي صاغتها السنوات. إنه عمل يلتقي فيه الفن ونقل التجارب والتأمل، ضمن مشروع ثقافي يؤكد مكانة سناء هيشري بين الأصوات الفنية التي جعلت من اللون لغة قادرة على حفظ أثر الزمن ومنحه حياة متجددة دائمًا.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
