د. هانى خاطر – رئيس المنتدى الدولى للصحافة والإعلام
في تطور قانوني وسياسي يُعد من الأهم في كندا خلال السنوات الأخيرة بدأت جلسات المرافعات هذا الأسبوع أمام Supreme Court of Canada للنظر في الطعون ضد قانون علمانية الدولة في مقاطعة Quebec المعروف باسم Bill 21
القضية التي بدأت كجدل محلي حول ارتداء الرموز الدينية في الوظيفة العامة تحولت اليوم إلى معركة دستورية عميقة قد تعيد رسم حدود الحقوق والحريات في كامل كندا وتفتح نقاشاً حساساً حول العلاقة بين العلمانية وتصاعد مخاوف الإسلاموفوبيا.
بداية جلسات حاسمة واهتمام وطني واسع
دخلت القضية مرحلة حاسمة بعد سنوات من الطعون في المحاكم الأدنى، تستمع المحكمة العليا حالياً إلى مرافعات مطولة من حكومات ومنظمات حقوقية ونقابات تعليمية وأفراد متضررين من تطبيق القانون.
تكمن أهمية هذه الجلسات في أنها لا تناقش فقط دستورية نص قانوني بل تختبر فلسفة النظام الدستوري الكندي نفسه خاصة فيما يتعلق باستخدام “الفقرة الاستثنائية” التي تسمح للحكومات بتجاوز بعض الحقوق الأساسية.
عدد المتدخلين الكبير يعكس حجم الرهانات المطروحة إذ يرى مراقبون أن الحكم المرتقب قد يصبح مرجعاً قانونياً لعقود في قضايا تتعلق بالحقوق والحريات.
قانون يهدف إلى حياد الدولة … لكنه يثير انقساماً
أُقر قانون اللائكية عام 2019 بهدف تكريس حياد الدولة ومنع موظفين في مواقع السلطة مثل المعلمين والقضاة والشرطة من ارتداء رموز دينية أثناء أداء مهامهم.
تقول حكومة كيبيك إن القانون يعكس نموذجاً علمانياً خاصاً بالمقاطعة، تطور تاريخياً بعد ما عُرف بـ “الثورة الهادئة” التي قلصت نفوذ المؤسسات الدينية في المجال العام.
لكن منتقدي القانون يرون أنه يؤثر بشكل غير متناسب على الأقليات الدينية وخاصة النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب إضافة إلى السيخ واليهود ما قد يحد من فرصهم المهنية في القطاع العام.
تطورات حديثة : قصص فردية تعيد القضية إلى الواجهة
في الأسابيع الأخيرة برزت طعون فردية جديدة من موظفين ومعلمين يقولون إن القانون منعهم من العمل أو الترقية بسبب تمسكهم برموزهم الدينية.
هذه الحالات أعادت تسليط الضوء على البعد الإنساني للقضية بعدما تحولت في السنوات الماضية إلى نقاش قانوني ودستوري نظري، ويرى محللون أن هذه الوقائع اليومية تجعل من الحكم المرتقب قراراً ذا تأثير اجتماعي مباشر وليس مجرد سابقة قضائية.
من بين هذه الطعون، يبرز تحدّي قضائي تقدّم به معلمة من الجالية السيخية لأنه طُلب منها إزالة عمامتها (dastaar) وحمله الخنجر الديني (kirpan) لتتمكن من العمل كمعلمة في المدارس العامة، وفق تقرير صحفي تقول المعلمة إن ارتداء هذه الرموز ليس مجرد زي ديني بل هو جزء لا يتجزأ من هويتها ومعتقداتها الروحية وإن إزالتها يكاد يكون بمثابة التخلي عن جوهر شخصيتها وقيمها الدينية.
تركز هذه الدعوى على ما إذا كان القانون ينتهك الحرية الدينية وحقوق الأقليات الأساسية في سياق مجتمع متعدد الثقافات وما إذا كان تطبيقه يمكن أن يُبرّر قانونياً تحت مبدأ العلمانية، الحكم في هذه القضية قد يكون له تداعيات واسعة على نطاق التعبير الديني والاندماج في الديمقراطيات الحديثة . (timesofindia.indiatimes.com)
الإسلاموفوبيا في قلب النقاش
تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كان القانون يعكس موجة أوسع من الإسلاموفوبيا القانونية في الغرب، منتقدو التشريع يشيرون إلى أن:
- الحياد القانوني لا يعني بالضرورة حياد التأثير
- القيود على الرموز الدينية تمس فعلياً مجموعات بعينها أكثر من غيرها
- ذلك قد يعزز شعور التهميش لدى بعض المسلمين في سوق العمل
في المقابل يرفض مؤيدو القانون هذا الربط ويشددون على أن التشريع ينطبق على جميع الديانات دون استثناء وأن هدفه حماية ثقة المواطنين في حياد مؤسسات الدولة.
مقارنة دولية : كيبيك بين التعددية والعلمانية الصارمة
تُقارن تجربة كيبيك كثيراً بالنموذج الفرنسي حيث فُرضت قيود على الرموز الدينية في المدارس والمؤسسات العامة منذ سنوات، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن كندا بنيت تاريخياً على مبدأ التعددية الثقافية بينما يقوم النموذج الفرنسي على فكرة الاندماج الجمهوري الصارم.
تبني مقاربة صارمة في كيبيك يمثل توتراً بين نموذجين حضاريين ويطرح تساؤلات فلسفية عميقة حول طبيعة الدولة الحديثة وحدود حرية الفرد.
جوهر المعركة القانونية : الفقرة الاستثنائية والديمقراطية
السؤال المركزي الذي يناقشه القضاة هو إلى أي مدى يمكن للمقاطعات استخدام الفقرة الاستثنائية لتجاوز ضمانات الميثاق الكندي للحقوق والحريات، بينما صُممت الفقرة كحل توازن بين سلطة البرلمانات وسلطة المحاكم و يخشى بعض الخبراء من أن يؤدي استخدامها المتكرر إلى إضعاف الحماية الفعلية للحقوق الأساسية.
المدافعون عن القانون يرون أن الديمقراطية البرلمانية تقتضي منح الحكومات المنتخبة هامشاً لتجسيد القيم المحلية لمجتمعاتها.
أثر محتمل على كندا والعالم
رغم أن القانون خاص بكيبيك فإن الحكم المرتقب قد يحمل تداعيات وطنية واسعة:
- إذا قيّدت المحكمة استخدام الفقرة الاستثنائية فقد تتغير موازين السلطة بين الحكومات والمحاكم.
- وإذا أيدت موقف كيبيك فقد يشجع ذلك على سن قوانين مشابهة في ملفات حساسة تتعلق بالهوية والدين.
كما أن القرار سيُتابَع دولياً باعتباره مؤشراً على كيفية تعامل الديمقراطيات الغربية مع التوتر بين العلمانية والحرية الدينية في سياق تصاعد الشعبوية والإسلاموفوبيا.
البعد الفلسفي : الدولة الحديثة والحرية الفردية
تحولت القضية من نقاش حول لباس ديني إلى اختبار شامل لطبيعة الدولة الحديثة:
- كيف يمكن تحقيق الحياد دون إقصاء؟
- كيف تُحمى الحقوق الفردية في مجتمع متعدد الثقافات؟
- هل يمكن للعلمانية أن تصبح أداة للسيطرة الرمزية على المجتمع؟
- ما حدود الديمقراطية البرلمانية مقابل العدالة الاجتماعية والمساواة؟
القانون يعكس صراعاً فلسفياً بين السلطة التشريعية والقيم الثقافية السائدة والحقوق الفردية ويُظهر كيف تتحول قوانين تبدو محايدة إلى أدوات لتحديد شكل المجتمع والهويات المقبولة داخله.
ماذا بعد؟ انتظار حكم تاريخي
من غير المتوقع صدور القرار فور انتهاء المرافعات إذ تحتاج المحكمة إلى أشهر لصياغة حكم مفصل في قضية بهذا الحجم، لكن المؤكد أن الحكم سيكون محطة مفصلية في تطور القانون الدستوري الكندي واختباراً عميقاً لمستقبل التعددية والعلمانية وعنصراً مهماً في النقاش العالمي حول الإسلاموفوبيا وسياسات الهوية.
خلاصة : معركة القيم والهوية
تحولت معركة قانون اللائكية من نقاش حول لباس ديني داخل المؤسسات العامة إلى اختبار شامل لطبيعة الدولة الحديثة : كيف يمكن تحقيق الحياد دون الإقصاء؟ وكيف تُحمى الحريات دون تقويض الإطار المدني المشترك؟
وبين الدفاع عن علمانية الدولة والخوف من تأثيرات اجتماعية قد تُفسَّر كتمييز أو إسلاموفوبياظ.
ينتظر الكنديون ومعهم مراقبون حول العالم قرار المحكمة العليا الذي قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين الديمقراطية والهوية في كندا.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
