د. هانى خاطر – رئيس المنتدى الدولى للصحافة والإعلام 

في لحظة إقليمية تتسم بتقاطع الأزمات وتداخل خطوط الصراع برزت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى دول الخليج بوصفها أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي رفيع المستوى، لقد حملت الزيارة دلالات أعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي العربي وإعادة تموضع مصر كلاعب مركزي في هندسة التوازنات الإقليمية.

غير أن القراءة الأعمق لهذا التحرك تكشف ما يمكن وصفه بـ بناء عقيدة الردع وهي ليست مجرد استعراض للقوة بل تعبير عن تحول فكري واستراتيجي في كيفية إدارة الأمن في الشرق الأوسط، ففي وقت تعيد فيه القوى الكبرى تعريف نفوذها وتتصاعد فيه التهديدات العابرة للحدود تتحرك القاهرة وفق ما يمكن تسميته فلسفة القوة العاقلة قوة لا تسعى إلى الصدام لكنها تفرض معادلاته وحدوده.

من الدبلوماسية التقليدية إلى “مبدأ السيسي” للأمن الإقليمي

لم تعد التحركات المصرية تُقرأ فقط ضمن إطار العلاقات الثنائية أو التحالفات التقليدية بل ضمن ما يمكن تسميته بـ مبدأ السيسي للأمن الإقليمي القائم على أن الاستقرار لا يُستورد من الخارج بل يُصنع داخلياً عبر قوة قادرة على الردع الفوري.

في هذا السياق لم يعد شعار “مسافة السكة” مجرد تعبير سياسي بل تحول إلى بروتوكول عملياتي يعكس جاهزية فعلية للتحرك السريع عند تهديد الأمن العربي خاصة في منطقة الخليج التي تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي.

التشكيل الجوي السيادي: حين تتحول السماء إلى غرفة عمليات

المشهد العسكري المصاحب للزيارة لم يكن تفصيلاً ثانوياً بل كان تجسيداً عملياً لقدرة مصر على فرض سيطرة جوية متعددة الطبقات خارج حدودها.
هذا التشكيل يمكن فهمه بوصفه “غرفة عمليات طائرة” تتكامل فيها أدوار منصات مختلفة:

  • مقاتلات Dassault Rafale التي توفر مظلة ردع بعيدة المدى مدعومة بقدرات حرب إلكترونية متقدمة.
  • مقاتلات MiG-29M2 التي تؤمن نطاق الاشتباك القريب وتمنع أي اختراق مفاجئ.
  • مقاتلات F-16 Block 52 التي تضمن التوافق العملياتي مع الأنظمة الدفاعية الغربية في الخليج.
  • وطائرة Lockheed C-130 Hercules المعدلة للحرب الإلكترونية التي تدير المعركة غير المرئية عبر السيطرة على الفضاء الكهرومغناطيسي.

هذا التكامل لا يعكس فقط قوة عسكرية بل نضجاً عقائدياً في إدارة المعارك الحديثة حيث تصبح المعلومات والسيطرة الرقمية جزءاً لا يتجزأ من التفوق العسكري.

الردع بالهيبة: حين يصبح الصمت مؤشراً على القوة

من أبرز الظواهر التي رافقت الزيارة ما يمكن وصفه بـ الصمت العملياتي في محيطها، لم يكن هذا الصمت نتيجة تفاهمات معلنة بل نتاج إدراك إقليمي بأن أي تصعيد في ظل هذا الحضور العسكري المنظم قد يقود إلى مواجهة غير محسوبة العواقب.

هنا يتجلى مفهوم الردع بالهيبة وهو مستوى متقدم من الردع لا يقوم فقط على القدرة على الرد بل على منع التفكير في الفعل العدائي من الأساس. إنه انتقال من ردع الفعل إلى ردع النية.

مصر كـ “ظهير استراتيجي” : إعادة تعريف الأمن العربي

تعكس التحركات المصرية إعادة صياغة لدورها التقليدي حيث لم تعد مجرد وسيط سياسي بل أصبحت ظهيراً استراتيجياً فعلياً للأمن الإقليمي.

يتجلى هذا الدور في عدة مستويات:

  • تأمين الممرات الحيوية مثل قناة السويس ومضيق باب المندب والتي تمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي.
  • الحفاظ على توازنات الاستقرار في مناطق الهشاشة الإقليمية من ليبيا إلى البحر الأحمر.
  • العمل كقوة مانعة لانهيار الدول عبر فرض خطوط حمراء واضحة تحمي بنية الدولة الوطنية.

بهذا المعنى تتحول مصر من فاعل إقليمي إلى ضامن هيكلي للاستقرار.

بين القوة والدبلوماسية : توازن بلا اندفاع

في بيئة شديدة التعقيد تعتمد القاهرة مقاربة تقوم على الجمع بين الصلابة العسكرية والمرونة السياسية.

  • تجاه إيران تحافظ مصر على توازن دقيق بين الانفتاح الحذر والردع الواضح.
  • ومع إسرائيل يستند السلام إلى معادلة قوة مستقرة تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.

هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة حيث تصبح إدارة التوتر أكثر أهمية من تفجيره.

القوة والاقتصاد : معادلة لا تنفصل

لا يمكن فصل هذا التحول العسكري عن أبعاده الاقتصادية فالاستقرار الأمني يشكل الشرط الأساسي لأي نمو اقتصادي مستدام.

في هذا السياق توفر مصر:

  • بيئة آمنة للاستثمار الإقليمي والدولي
  • حماية للممرات التجارية العالمية
  • منصة لوجستية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا

وبذلك تتحول القوة العسكرية إلى رافعة اقتصادية لا عبئاً عليها.

نحو عقيدة أمن عربي جديدة

ما نشهده اليوم ليس مجرد تحرك سياسي أو عسكري بل بداية تشكل عقيدة أمن عربي جديدة تقوم على:

  • الاعتماد على القدرات الذاتية
  • بناء شبكات ردع إقليمية
  • دمج القوة الصلبة بالقدرة الدبلوماسية
  • وتحويل الاستقرار إلى مشروع مشترك لا مسؤولية منفردة

عودة الدولة المحورية

زيارة الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي إلى الخليج ليست حدثاً عابراً بل تعبير عن مرحلة تسعى فيها مصر إلى ترسيخ موقعها كدولة محورية قادرة على التأثير في مسار الإقليم لا مجرد التفاعل معه.

في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب يبرز نموذج “الردع الشامل” كأحد الخيارات القليلة القادرة على تحقيق معادلة صعبة:  حفظ السلام عبر امتلاك القدرة على الحرب.

وبين القوة والعقل وبين الردع والدبلوماسية تعود مصر لتؤكد أنها لم تفقد دورها التاريخي بل تعيد صياغته بأدوات أكثر تطوراً ورؤية أكثر اتساعاً لتكون مرة أخرى أهم أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط.


اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً